فلما لم أجد شيئا إليها * يقرّبني وأعيتني الأمور
حججت وقلت قد حجّت جنان * فيجمعني وإيّاها المسير « 1 »
ورآها مرّة وهي تلطم وجهها في مأتم فقال :
يا قمرا أبرزه مأتم * يندب شجوا بين أتراب
تبكي فتذري الدّرّ من نرجس * وتلطم الورد بعناب
أبرزه المأتم لي كارها * برغم دايات وحجّاب
لا زال دأبا موت أحبابه * ودأب أن أبصره دابي « 2 »
وكان سفيان بن عيينة إذا ذكر هذه الأبيات يقول : لقد أحسن أبو نواس هذا بفتح النون وتشديد الواو .
وغاضبة مرّة فوجه إليها رسولا فجاوبته بما يكره ، فلم يخبر الرسول بما قالت ، وتبيّن ذلك أبو نواس في وجهه فقال :
فديتك ، فيم عتبك من كلام * نطقت به على وجه جميل ؟
وقولك للرسول عليه غيري * فليس إلى التّواصل من سبيل
فقد جاء الرّسول به انكسار * ووجه ما عليه من قبول
ولو ردّت جنان مردّ خير * تبيّن ذاك في وجه الرسول « 3 »
وروى أبو الفرج : إن محمد بن عمير التيمي مرّ أيام قضائه فرأى أبا نواس قد خلا بامرأة يكلّمها ، وكانت جارية ، برسالة جنان ، فقال له : إتّق اللّه ، قال :
إنها حرمتي ، قال : فضها عن هذا الموضع ، فلما انصرف كتب إليه :
إنّ الّتي أبصرتني * سحرا أكلّمها رسول
أدّت إليّ رسالة * كادت لها نفس تسيل
من ساحر العينين يج * ذب خصرها ردف ثقيل
فلو أنّ اذنك بيننا * حتى تسمّع ما نقول
لرأيت ما استقبحت من * أمري هو الحسن الجميل « 4 »
هامش
( 1 ) الأغاني 20 / 70 .
( 2 ) الأغاني 20 / 79 ، الأغاني 25 / 138 ، ديوانه 242 .
( 3 ) ديوانه 249 .
( 4 ) وفيات الأعيان 2 / 101 ، ديوانه 270 .