فسرّ بذلك وطابت نفسه ، ثم التفت إلى من معه ، فقال : لمن هذا ؟ قالوا :
لمحمد بن بشير قال : أمر محمود ، وبشير سريع إن شاء اللّه تعالى .
وتمام الأبيات :
ماذا يكلّفك الرّوحات والدّلجا * البرّ يوما ويوما تركب اللّججا « 1 »
كم من فتى قصرت في الرّزق خطوته * ألفيته بسهام الرّزق قد فلجا « 2 »
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن نرى فرجا
إن الأمور إذا أنسدّت مسالكها * فالصّبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا « 3 »
أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 4 »
قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها * فمن علا زلقا عن غرّة زلجا « 5 »
ولا يغرّنك صفوا أنت شاربه * فربّما كان بالتّحريم « 6 » ممتزجا « 7 »
لا ينتج الناس إلّا من لقاحهم * يبدو لقاح الفتى يوما إذا نتجا
وكان ابن بشير منتقلا ، وهو من أهل البصرة ، وفي شعره مقاصد حسنة ، ومن مشهور شعره وهو حكمة أيضا :
جهد المقل إذا أعطاك نائله * ومكثر من غنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله * أما نوالا وأما حسن مردود
* * * ومن شعراء المجانين : أبو دانق الموسوس البغداذي ، وله حكايات ظريفة ، منها : ما حكاه يعقوب بن الدقّاق المستملي من أبي نصر صاحب الأصمعي قال :
كنّا يوم جمعة بقبة الشعراء في رحبة جامع المنصور نتناشد الأشعار ، فكنت أعلاهم صوتا إذ صاح بي صائح من ورائي يا منتوف ، فتغافلت كأنّي لم أسمع ،
هامش
( 1 ) الروحات : واحدها روحة من الرواح ، يكون بمعنى الغدة .
( 2 ) سهام الرزق : الحظوظ ، والفلج : الغلب .
( 3 ) الفتق : الشق . وارتتج : انغلق .
( 4 ) أخلق : أجدر .
( 5 ) الزلق هنا : مكان الزلق . والعزّة : الغفلة ، وزلج : زلل .
( 6 ) التحريم : الصعوبة .
( 7 ) ديوان الحماسة لأبي تمام 346 .