فقال : ويلك يا أعمى لم لا تتكلم ؟ فقلت : من هذا ؟ فقال : أبو دانق الموسوس ، فالتفتّ إليه ، فقال : ويلك هل تعرف أحسن من هذا البيت وأشعر من قائله :
ما تنظر العين منه ناحية * إلّا أقامت منه على حسن
فقلت كالمحاجز له : لا ، فقال : لا أمّ لك ، هلّا قلت : نعم قوله :
يزيدك وجهه حسنا * إذا ما زدته نظرا
ثم وثب وثبة فجلس إلى جانبي ، وأقبل علي ، وقال : يا أعمى ، صف لي صورتك الساعة ، وإلّا أخرجتك من بزّتك ، ثم أقبل على من كان حاضرا فقال :
ظلمناه وهو ضرير لم ير وجهه ، فمن أحسن منا أن يصفه ؟ قلت : صفه وكان يعقوب ضريرا وأقبح الناس وجها ، وكان يحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ويدهن ، فلم يتكلم أحد ، فقال : اكتبوا صفته في رأسه وأنشد :
أشبه رأسه لولا وجار * بعينيه ونضنضة اللسان
بأعظم قرعة عظمت وتمّت * فليس لها سوى التمييز ثاني
إذا أعلت أسافها أمالت * دعائم رأسها نحو الليالي
لها في كل شارقة وميض * كأن بريقها لمع الدهان
فلا سلمت من حذري وخوفي * متى سلمت صفاتك من لساني
ووثب إليّ فحالت الأيدي بيني وبينه .
قلت : أحسن أبو دانق في وصف هذا الأعمى المسكين ، ولا سيما تشبيه موضع عينيه بوجار الثعلب فإنه تشبيه بعيد الغور غريب ، ووجار الثعلب بيته ، ويسمى حجر الضبع وجارا ، وأما الضب واليربوع وأمثالهما فلا يقال لبيته إلا الحجر لا غير ، وتشبيه رأسه المحلوق من العجائب ، والدهان الجد الأحمر القاني ، وفيه إيهام بالتورية المطبوعة ، واللّه أعلم .