وقالت جفوني للشآم ادع لذة * فقال لها ماضي الزمان : اهبطوا مصرا « 1 »
وجاء في كتاب اللّه تعالى أخبارا عن بني إسرائيل لما طلبوا الفوم وهي الحنطة على الصحيح ، وما يكون في الأمصار من الموافق :
( اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ )
« 2 » ، ولم يرد الديار المعروفة ، وإلّا لما صرف اسمها وهو ممتنع التأنيث المعنوي والعلمية ، وإنما أراد مصرا من الأمصار غير معيّن ، وقيل له : أنه أرادها ، وإنّما تؤنّث لسكون أوسطها كيزد وجهد والأول أولى لقوله تعالى في الآية الأخرى :
( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً )
« 3 » فلم يصرفها .
قلت : ويؤكد الأول أن دلوكة العجوز ملكت ديار مصر بعد هلاك فرعون ورجال القبط ، وعمرت عليها جميعها الحائط المشهور بحائط العجوز لتحصينها من طروق العدوّ ، وهي قبطية عدوّة لبني إسرائيل ، فكيف يؤمرون بالدخول إلى مملكتها ومنها فرّوا ، وكانت ساحرة مخوفة المكر .
وما أحسن ما تخلّص أبو الحسين الجزّار « 4 » في مدح الأمير جمال الدين موسى بن يغمور بقوله :
فلست أخاف السحر من لحظاتها * لأني بموسى قد أمنت من السحر
ومعنى بيت شمس الدين المذكور في قصيدته : « فيمنى غمام الأفق نوء شماله » إن شمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم أكرم من يمين الغمام ، وفي المثل : « شمالي أكرم من يمين فلان » .
وما ألطف قول الشاعر مضمنا :
قطعت شمال فتى يقول قلوتكم * ويمين من قال التسلّي مذهبي
والأول استعمل يمين بمعنى يكذب مضارع مان .
هامش
( 1 ) كاملة في ديوان ابن نباته المصري 216 - 217 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 61 .
( 3 ) سورة يونس : الآية 87 .
( 4 ) مرّت ترجمته بهامش سابق .