تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
تؤثره الرّتب على غيره ، وتتباهى المعالي بحسن سيره . ونظراؤه بنباهته تعترف ، وكأنه بحر منه الألباب تغترف . ثم عمد لأمر دعاه إلى الرّحلة ، فشدّ إلى جهة الرّوم رحله . ولا مطمح إلّا منّة من اللّه تصوب ، وعناية يستردّ بها حقّ مغصوب . فورد دمشق ، وأقام بها قليلا ، ثم دخل الرّوم فنال بها حظّا جليلا . وأدرك أمانيه على العجل ، وبرئ الدهر عنده ممّا كان فيه من الوجل . ثم قدم دمشق « 1 » فهوت إليه القلوب مقبسة من سناه ، وتنافست الألسنة في إحراز مدحه وثناه . وكنت ممّن أسرع إليه ، وأوقفت أملى في الاستفادة عليه . فلزمته لزوم الظّلّ للشّبح ، وأخذت عنه طرفا من الطّرف والسّبح . سمعت القول الذاهب مذهب الطّيف الوارد ، وذقت الأرى « 2 » الذّائب خلال الجامد ، من برد المفترّ البارد . ثم رحل على مصر إلى دياره ، وألقى بها بعد هنيئة عصا تسياره . في حظّ قد اكتمل ، واطّلاع على أخاير الذّخائر اشتمل . لكنه لم يستدرك ما فاته ، حتى قدّر اللّه تعالى وفاته . فلا برحت سحب الرحمة تحيّى قبره وتجوده ، حتى تتروّى من ثراه تهائمه ونجوده . * * * وقد أثبتّ من شعره بدائع تقتنى ، وروائع بها على حسن الأسلوب يعتنى . فمن ذلك قوله من قصيدة ، أوّلها :
زارت على غفلة من غير ميعاد * جيداء تسحب تيها خير أبراد كالشمس إن وضحت والبدر إن لمحت * والورد إن سمحت في خدّها نادى
هامش
( 1 ) يعنى قدمته الثانية بعد رجوعه من الروم . ( 2 ) الأرى : العسل .