تؤثره الرّتب على غيره ، وتتباهى المعالي بحسن سيره .
ونظراؤه بنباهته تعترف ، وكأنه بحر منه الألباب تغترف .
ثم عمد لأمر دعاه إلى الرّحلة ، فشدّ إلى جهة الرّوم رحله .
ولا مطمح إلّا منّة من اللّه تصوب ، وعناية يستردّ بها حقّ مغصوب .
فورد دمشق ، وأقام بها قليلا ، ثم دخل الرّوم فنال بها حظّا جليلا .
وأدرك أمانيه على العجل ، وبرئ الدهر عنده ممّا كان فيه من الوجل .
ثم قدم دمشق « 1 » فهوت إليه القلوب مقبسة من سناه ، وتنافست الألسنة في إحراز مدحه وثناه .
وكنت ممّن أسرع إليه ، وأوقفت أملى في الاستفادة عليه .
فلزمته لزوم الظّلّ للشّبح ، وأخذت عنه طرفا من الطّرف والسّبح .
سمعت القول الذاهب مذهب الطّيف الوارد ، وذقت الأرى « 2 » الذّائب خلال الجامد ، من برد المفترّ البارد .
ثم رحل على مصر إلى دياره ، وألقى بها بعد هنيئة عصا تسياره .
في حظّ قد اكتمل ، واطّلاع على أخاير الذّخائر اشتمل .
لكنه لم يستدرك ما فاته ، حتى قدّر اللّه تعالى وفاته .
فلا برحت سحب الرحمة تحيّى قبره وتجوده ، حتى تتروّى من ثراه تهائمه ونجوده .
* * * وقد أثبتّ من شعره بدائع تقتنى ، وروائع بها على حسن الأسلوب يعتنى .
فمن ذلك قوله من قصيدة ، أوّلها :
زارت على غفلة من غير ميعاد * جيداء تسحب تيها خير أبراد
كالشمس إن وضحت والبدر إن لمحت * والورد إن سمحت في خدّها نادى
هامش
( 1 ) يعنى قدمته الثانية بعد رجوعه من الروم .
( 2 ) الأرى : العسل .