تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
هذا وليل الشباب الجون منسدل * فكيف حين يجيء الليل بالسّرج « 1 »
ثم فارق البيت والمقام ، ودخل الهند فنهض حظّه بها وقام . وهو الآن متقلّد خدم ملكها الشّريفة ، ومتفيّء في عهده ظلال النّعم الوريفة . وقد ألّف تآليف تهفو إليها الأفكار ، وتجنح إليها جنوح الأطيار إلى الأوكار . منها كتابه المسمّى ب « سلافة العصر » ، التي زف بها البكر ابنة الفكر ، في هودجها الفرج ، وجلبابها الأرج . تباطأ عنها السّوابق ، وتتطأطأ عن سموّها السّوامق . وجاء بها أصفى من ماء الشّباب في غضارته في زمن لم يبق منه إلا رديء عصارته . إلّا أن الظّنون مرجّمة ، وألسنة الانتقاد عنها مترجمة ، والأقوال فيها كثيرة ، والعبارات للازدراء مثيرة . وذلك لما بدا منه من أغراض ، كان حقّها أن تعامل بالإعراض . فهو في إيراد تلك الفصول ، معرّض بنفسه إلى وصمة الفضول . والحقّ أنه أحسن ماشا ، وأبدع فيما أنشا ووشّى . وكم أورد من نادرة مستظرفة ، وأبدع من فائدة مستطرفة . وهو في الأدب بحر ماله ساحل ، إذا قصد أن يدنو منه طيف الفكر أصبح دونه بمراحل . وله شعر أرقّ من كلّ رقيق ، وأحقّ بالقبول من غيره عند التحقيق . فمنه قوله من خمريّة : [ الرمل ]
لمعت ليلا فقالوا لهب * وصفت لونا فقالوا ذهب وإذا ما اندفقت من دنّها * في الدّجى قالوا طراز مذهب قهوة رقّت فلو لا كأسها * لم يشاهد جرمها من يشرب وتراها في يد السّاعي بها * كوكبا يسعى بها لي كوكب ألبستها الكأس طوقا ذهبا * وحبابا بالّلآلئ الحبب عجبوا من نورها إذ أشرقت * وشذاها من سناها أعجب بنت كرم كرمت أوصافها * أيّ نبت قام عنها العنب
وقوله معارضا قصيدة أبي العلاء المعرّي التي أولها : [ البسيط ]
هات الحديث عن الزّوراء أوهيتا * وموقد النّار لا تكرى بتكريتا
وقصيدته هي هذه : [ البسيط ]
يا حادي الظّعن إن جزت المواقيتا * فحيّ من بمنى والخيف حيّيتا وسل بجمع أجمع الشّمل ملتئم * أم غاله الدّهر تفريقا وتشتيتا والثم ثرى ذلك الوادي وحطّ به * عن الرّحال تنل يا صاح ما شيتا عهدي به وثراه فائح عبق * كالمسك فتّته الدّاريّ تفتيتا والدّرّ ما زال من حصبائه خجلا * كأنّ حصباءه كانت يواقيتا يؤمّه الوفد من عرب ومن عجم * ويسبرون له البيد السّباريتا
هامش
( 1 ) الجون : الميل إلى السواد . القاموس المحيط ، مادة ( جون ) .