شأنها في حبّها فتّها الأك * باد من رائس ومن مرؤوس
ربّ قلب قد تاه فيه فلم يد * ر حسيسا ولم يمل للمسيس
ظلّ فيها في جحفل من سرور * وخميس يلقى الأسى بخميس
كلّما أسفرت له عن نقاب * وفني في فنائه المأنوس
أشرقت من وراء ذاك لعيني * ه بمغنى حسن الجمال النّفيس
فطوى كشحه على غصص الوج * د تقى بين طامع ويؤوس
ذكرت بمطلع هذه القصيدة ، ما حكاه البهاء الحارثيّ في " كشكوله " ، وهو أن تاجرا من تجّار نيسابور أودع جاريته عند الشيخ أبي عثمان الحيريّ ، فوقع نظر الشيخ عليها ، فعشقها ، وشغف بها ، فكتب إلى شيخه أبي حفص الحدّاد بالحال ، فأجابه بالأمر بالسفر إلى الرّيّ ، لصحبة الشيخ يوسف فلما وصل إلى الرّي ، وسأل الناس عن منزل الشيخ يوسف ، أكثروا من ملامته وقالوا : كيف يسأل تقيّ مثلك عن بيت فاسق ؟ فرجع إلى نيسابور ، وقصّ على شيخه القصة ، فأمره بالعود إلى الرّيّ ، وملاقاة الشيخ يوسف المذكور . فسافر مرّة ثانية إلى الرّيّ ، وسأل عن منزل الشيخ يوسف ، ولم يبال بذمّ الناس له وازدرائهم به . فقيل له : إنه في محلّة الخمّارة . فأتى إليه ، وسلّم عليه ، فردّ عليه السلام ، وعظّمه . ورأى إلى جانبه صبيّا بارع الجمال ، وإلى جانبه الآخر زجاجة مملوءة من شيء كأنه الخمر بعينه . فقال له الشيخ أبو عثمان : ما هذا المنزل في هذه المحلّة ؟ فقال : إن ظالما شرى بيوت أصحابي ، وصيّرها خمارة ، ولم يحتج إلى بيتي .
فقال : ما هذا الغلام ، وما هذه الخمر ؟ فقال : أما الغلام فولدي من صلبي ، وأما الزجاجة فخلّ . فقال : ولم توقع نفسك في محلّ التّهمة بين الناس ؟ فقال : لئلّا يعتقدوا أني ثقة ، فيستودعوني جواريهم ، فأبتلى بحبّهنّ . فبكى أبو عثمان بكاء شديدا ، وعلم قصد شيخه . انتهى . وبهذه الحكاية يظهر مغزى صدر هذه القصيدة ، ويحصل الجمع بين ما في ظاهرها من المدح والقدح . والله أعلم . رجع . ومن شعر باقشير ، وهو مختار من قصيدة له : [ الطويل ]
أتعذل في لمياء والعذر أليق * تعشّقتها جهلا وذو اللّبّ يعشق
ولا عيش إلّا ما الصّبابة شطره * وصوت المثاني والسّلاف المعتّق
وجوبك أجواز الموامي مشمّرا « 1 » * إلى المجد يطويها عذافر معنق « 2 »
وأن تتهاداك النّعائم معلما * تضلّك أو تهديك بيداء سملق
وأن ترد الماء الذي شطره دم * فتسعى برأي ابن الحسين وترزق
هامش
( 1 ) الموامي : جمع الموماة ، وهي الفلاة الواسعة .
( 2 ) العذافر : العظيم الشديد من الإبل . اللسان ، مادة ( عذفر ) .