تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
استراق فلذا تستريح شهبه من الرّجوم . فهم نور الكون قبل أن يخلق النّيّران ، وقطب الدائرة قبل أن تؤمر الأفلاك بالدّوران . خالصة الله من عباده أهل الصلاح ، وتراب نعالهم كحل لعيون أهل الفلاح . ما منهم إلّا فتى لثوب العزّ ساحب ، وللوقار من الصّبا مصاحب ، فإذا استوى على كرسيّه فملك عليه من المهابة قبل الحاجب حاجب . بحار ظمت وعلت القلل متعهّدة صوب العهاد ، فتوارت البحار خجلا منها في منخفض الوهاد . ففي جيد الدهر من مدائحهم عقود وقلائد ، ليس إلّا كلماتها شذرات وقوافيها فوائد . فمنهم :

330

- أحمد بن زين العابدين شهاب أفقهم الثّاقب ، الكثير المآثر والمناقب . رايات مشاهده على الآفاق مجلوّة ، وآيات محامده بألسنة الإطلاق متلوّة . فما فتحت المحابر أفواهها إلّا لتنطق ألسنة الأقلام بما مدحته به الأنام ، ولا حبّر الحبر بياض الطّروس بسواد السّطور إلّا ليشير إلى أنّ من جملة خدمه الليالي والأيّام . إذا بدا للعيون أدهشها عن التّملّي حجابه المنيع ، وإذا قابله الورد احمرّت خدوده إذ أخجل الرّوض منه الصّنيع . وقد عوّدته بسط الكفّ فواضله ، فلو أراد قبضها لم تجبه أنامله . محاسن شيمه خلفها المعالي تسير ، ومواطئ هممه كفّ الثّريّا إليه تشير . [ الكامل ]
وإذا رقى نجد المعالي واطئا * ثهلان مجد في ذراه فارعا لم يحكه شرفا ولا ظلّ له * فلذا يعفّر منه خدّا ضارعا
وكان يسير سير الملوك ، ويقلّد من التّرفّه بأزهى السّلوك . في عزّة أشهر من مثل ، وعن الملوك فلا تسل . وقد ولي قضاء مكّة فانضمّ إلى كعبتها كعبة ، وبسط يده في المواهب حتى صيّر كعبا لا يبلغ في الجود كعبه . فلا ينتهي من محمدة حتى تكلّ الخواطر ، ولا يرجع عن مأثرة حتى تنقطع عن السّير المطيّ الخواطر . وهو في الأدب روض توشّى ببرده الأخضر من نباته ، ونظم النّوّار قلائده من جيد الجداول في لبّاته . وله أشعار أنسق من لؤلؤ المزن في فم الأقاح ، وأعبق من عبير ورد الخدود والتّفّاح . فدونك
هامش
( 330 ) - هو الشيخ أحمد بن زين العابدين بن محمد بن علي البكري الصديقي المصري الشافعي . ولد بمصر وبها نشأ واشتغل بفنون العلوم وكرع من مشارع الفهوم وقرأ على عمه الأستاذ أبي المواهب وأبيه وغيرهما من مشايخ عصره ، وتصدر للإقراء بالجامع الأزهر فأشرقت فيه نوره وأزهر وكانت له اليد الطولى في تفسير القرآن . تصدر بعد موت عمه أبي المواهب وعقد مجلس التفسير في بيته بالأزبكية وجمع فيه علماء العصر وأذعنوا له ، وحج مرارا وكان صاحب أخلاق حسنة وفيه سخاء وتلطف وقصده الشعراء من كل ناحية ومدحوه ومنهم فتح الله بن النحاس الحلبي . وكانت وفاته في سنة ثمان وأربعين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 201 ) .