مدينة النبيّ المختار . وكان أبوه سقى الله عهده ، ووطّأ في الفردوس مهده ، علم علم وفضل ، وموطن رأي أسدّ وقول فصل . فلم يختر دار القرار ، حتى وافاه توفية الصّلحاء الأبرار . فطلع في جبهة الدهر غرّة ، يملأ عين بني الفضل قرّة . وقعد مقعده بين كتاب الله يتلى ، وحديث رسوله يروى . تؤثره الرّتب على غيره ، وتتباهى المعالي بحسن سيره . ونظراؤه بنباهته تعترف ، وكأنه بحر منه الألباب تغترف . ثم عمد لأمر دعاه إلى الرّحلة ، فشدّ إلى جهة الرّوم رحله . ولا مطمح إلّا منّة من الله تصوب ، وعناية يستردّ بها حقّ مغصوب . فورد دمشق ، وأقام بها قليلا ثم دخل الرّوم فنال بها حظّا جليلا .
وأدرك أمانيه على العجل ، وبرئ الدهر عنده مما كان فيه من الوجل ثم قدم دمشق فهوت إليه القلوب مقبسة من سناه ، وتنافست الألسنة في إحراز مدحه وثناه . وكنت ممّن أسرع إليه ، وأوقفت أملي في الاستفادة عليه . فلزمته لزوم الظّلّ للشّبح ، وأخذت عنه طرفا من الطّرف والسّبح . سمعت القول الذاهب مذهب الطّيف الوارد ، وذقت الأري الذّائب خلال الجامد ، من برد المفترّ البارد . ثم رحل على مصر إلى دياره ، وألقى بها بعد هنيئة عصا تسياره . في حظّ قد اكتمل ، واطّلاع على أخاير الذّخائر اشتمل . لكنه لم يستدرك ما فاته ، حتى قدّر الله تعالى وفاته . فلا برحت سحب الرحمة تحيّي قبره وتجوده ، حتى تتروّى من ثراه تهائمه ونجوده . وقد أثبتّ من شعره بدائع تقتنى ، وروائع بها على حسن الأسلوب يعتنى . فمن ذلك قوله من قصيدة ، أوّلها : [ البسيط ]
زارت على غفلة من غير ميعاد * جيداء تسحب تيها خير أبراد
كالشمس إن وضحت والبدر إن لمحت * والورد إن سمحت في خدّها نادي
حوراء ما حلّلت لي نظرة حرمت * لكن أذابت بحرّ الهجر أكبادي
يا ويح قلبي بها كم ذاق من حرق * حتى لقد شيّبت بالبعد أفوادي
أبكي وأكتم دمعي كاتما لأسى * نيرانه في الحشا آلت لإيقاد
يا صاحبيّ إذا ما رمتما سكني * عوجا قليلا كذا عن أيمن الوادي
أو رمتما شرح حالي في الهوى فلقد * غذيت درّ الهوى من قبل ميلادي
وصادح البين إن يخفى فلا عجب * صوادح البين وهنا شجوها بادي « 1 »
يا ضرّة الشمس يا من لا شبيه لها * حبّيك أعذب من عذب إلى صادي
هامش
( 1 ) الوهن : الضعف في العمل ، ومن نصف الليل أو بعد ساعة منه . القاموس المحيط ، مادة ( وهن ) .