حتى توافوا القصد في نعمة * تترى وعمر في سرور يطول
ودولة الأفضال تسمو بكم * وتزدهي طورا وطورا تصول
ما غرّدت ورقاء في روضة * غنّا وغنّت حين طاب الدّخول
ومن لطيف ما وقع له مع القاضي تاج الدّين المذكور ، أنه رأى في المنام في العام المذكور ، الذي زار فيه تاج الدّين ، كأنه في مجلس درسه بالرّوضة الشريفة ، وإذا بالتّاج داخل من باب السّلام ، وهو قاصد الحضرة النّبويّة ، فلما قضى الوطر من التحية والزّيارة ، جاء إلى المجلس وقعد ، فأنشد البرّيّ بيتين بديها ، وهما : [ الطويل ]
أمولاي تاج الدّين لا زلت ذا علا * على الهام والأوهام ليست لذي فطن
إذا كنتم في مجلس كان أهله * بأجمعهم خرسا وأنت لك اللّسن
ثم انتبه وقد حفظهما ، ثم لم تكن إلا نحو عشرة أيام من هذه الرؤيا ، حتى وصل التّاج ، وكان دخوله المسجد الشريف من باب السّلام ، والبرّيّ في مجلس درسه ، على الصّفة التي كانت في الرّؤيا . ثم لم يلبث أن جاء إلى المجلس ، فتلقّاه ، وجلس في الموضع الذي جلس فيه ، وأشار باستمرار القراءة ، فأنشده البرّيّ البيتين ، ثم أخبره بالرّؤيا ، فقضى العجب ، واستبشر ، ثم بعد قيامه من المجلس أنشده معتذرا ومتشكّرا :
[ الطويل ]
لئن كان قدري مثلما قلت عندما * تواضعت إذ أطبقت كتبك في الوسن
فقد صحّ بالأحرى اتّصافك بالذي * وصفت به المملوك من ظنّك الحسن
لأني وإن أحرزت ذلك إنني * لديك أخو صمت وأنت لك اللّسن
323
- إبراهيم بن عبد الرحمن الخياريّ
هو للفضل خليل ، ومقامه كمقام أبيه جليل . فهما من خيار الخيار ، وبهما باهت
هامش
( 323 ) - هو الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي بن موسى بن خضر الخياري المدني الشافعي ، أحد المشاهير بالبراعة في الحديث والمعارف وفنون الأدب والتاريخ ، وكان واسع المحفوظات حلو العبارة لطيف الطبع ، وله الأشعار الرائقة والرسائل الفائقة . اشتغل على أبيه في الفنون وأخذ عنه ولزم السيد ميرماه البخاري المدني الحسني وانتفع به في كتب ابن عربي وغيره وأخذ عن المحدث الكبير محمد بن علاء الدين البابلي ، وغيره .
ودرس ببعض المدارس بعد وفاة أبيه وسعى بعض المتغلبين من العلماء الواردين على المدينة فأخذها منه وكان ذلك سببا لمفارقته المدينة ودخوله الروم حتى قرر المدرسة عليه وألف في متصرفه رحلة سماها ( تحفة الأدباء وسلوة الغرباء ) ودخل دمشق في ثمان وعشرين من صفر سنة ثمانين وألف وأقام بدمشق ثمان عشرة يوما ، وارتحل إلى الروم وعاد إلى قسطنطينية ، ثم قدم دمشق ، ورحل إلى مصر ونزل الرملة وهو متوجه ، ووصل إلى القدس والخليل وغزة ، ثم دخل القاهرة وأقام بها إلى اليوم الرابع والعشرين من شوال ثم رحل إلى المدينة فدخلها في اليوم الثامن والعشرين من ذي القعدة وعكف على التحرير وإلقاء الدروس ولم تطل مدته حتى مات . وله من التآليف رسالة في عمل المولد الشريف سماها ( خلاصة الأبحاث والنقول في الكلام على قول تعالى لقد جاءكم رسول ) .
وكانت ولادته ثالث شهر شوال سنة سبع وثلاثين وألف وتوفي ثاني رجب سنة ثلاث وثمانين وألف بالمدينة فجأة ودفن بالبقيع . ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 25 ) .