من الوجاهة مبلغا تفرّد فيه ، وقالت له الأيام حسب أملك ويكفيه . ما شئت من جدّ يعجز النّجم عن لحاقه ، وأدب لو بلغه البدر ما شين قطّ بمحاقه . اقتنص بشرك بديهته متمنّعات الأوابد الشّوارد ، وفجّر من بلاغته وبراعته حياضا عذبة المناهل والموارد . وله تآليف سلك فيها الطّريقة السّويّة ، وجنح برأيه إلى أحسن الرّويّة . وشعره إن لم يكن كقدره في أعلى الدّرج ، فهو من خير الأمور المأمون قائله من الحرج . فمنه قوله في مدح القهوة : [ الوافر ]
دع الصّهباء واشرب صرف قشر * مشعشعة تدور بكفّ بدر
وإن شئت الشفا بادر سريعا * إلى حان لها قد حان بدري
فما الياقوت في لون نضير * وما لون النّضار ولون تبر
دع الفاروق إن رمت التّداوي * وخذها فهي للأسقام تبري
كأنّ حبابها المنطوم عقد * من الياقوت يجلى فوق نحر
سأسعى نحو مروتها ألبّي * ليصفو بالصّفا صدري ونحري
ندمت ندامة الكسعي عليها * لما قد فات من أيّام عمري
سأدمن شربها ما دمت حيّا * ولا أصغي إلى زيد وعمرو
وأجلو عين أغياري وهمّي * بصافيها سحيرا قبل فجر
هي الرّاح المريح لكلّ روح * ولم تمزج ولم توجد بعصر
وكلّ مخالف فيها فإنّي * أسفّه قوله من أهل عصري
فقل إن قال ساقيها المفدّى * جبا يا مرحبا واشكر لشكر
وخذها من يديه في حضور * مع السّاقي المليح بغير سكر
فلا غول ولا تأثيم فيها * وليست مزّة بل طعم تمر