صحيفة مجده لم يجد نقط شكلها حسود ، وأقلام مدحه ليس همّها إلا ركوع وسجود .
أنديته مصبّ مزن الفضل ، فهي ذات سقيط وندّى مخضلّ .
تبذل الأعمار في لقائه نقدها ، وتنتطق الجوزاء في خدمته عقدها .
ومن حق هيبته عند ذوي الآداب ، أن يعقدوا إذا لمحوه الحواجب بالأهداب .
أراد البحر أن يحاكي نداه ، فقصّر عنه ولم يدرك أدنى مداه .
فهو لذلك في اضطراب وأمواجه في التطام ، وطفل النّبت يغتذي بندى كفّه فلا يخشى عليه منها إلا الفطام .
فلو استجارت أوراق الخريف ، بظلّ حمى نداه الوريف .
لما سلبت بردا زهى للعيون وراق ، وظلّت شاكرة فضل الربيع بلسان الأوراق .
إليه انتهت الرّغائب ، وحضر نداه الخضر وهو غائب .
وهو الذي دخلت الروم لأجله ، وحصلت من لقاه على أعظم الأمل وأجلّه .
وهو إذ ذاك عن رتبة البدر متقاعد ، ومع الشمس في الظهور رابعة النهار متواعد .
فشاهدت ملكا في صورة إنسان ، يملأ العين بالحسن والكفّ بالإحسان .
وله السعادة مهيّأة ، وبه الدنيا وأهاليها مهنّأة .
فوردت بحرا من جوده نميرا ، وارتقيت حيث أعدّ النجم سميرا .
وكم مجلس بين يديه ، قرأت فيه سورة الأدب لديه .
تنطقني فضائله بما أنظم فيه من الغرر ، فأغدو كمن قلّد البحر من فرائده بعقود الدّرر .
ثم أفيض عنه فيض النهر ، وأنصرف انصراف الصّبا عن الزّهر .
وقد آليت لا توقّعت خيرا سوى خيره ، ولا أمّلت الرغبة عن شقّ القلم لمدحة غيره .
وصفوي محميّ به عن الشوائب ، وجسدي محرّم على أنياب النوائب .
وكانت لي وراء رأيه مواعيد ، كنت منها على نيل قريب غير بعيد .
فعاق عنه موته الذي بدّل السرور بالترح ، وترك الحزن شامتا بالفرح .
فدفن به كنز كان في الزمان لقيّة ، وتم به السرور لكل حي وكانت عندنا منه بقيّة .
فنعته الهمم ، وماتت بموته أمم . [ الوافر ]
وما فجعت به الدنيا ولكن * غدت بفراقه الدنيا يتيمه
فعلى قبره من الرحمة الحافّة ، عدد أنفاس الخلائق كافّة .
وقد أوردت له من آثاره التي جلّت ، وأسفرت عن شمس البلاغة حين تجلّت .