فكلهم عصابة بارعة ، وآراؤهم إلى الغوامض مسارعة .
بأنفس كريمة الشمائل والغرائب ، وقرائح تقذف بحارها بدرر الغرائب .
وحرص على لقاء كل ذي علم ، وتخلّق بأخلاق كل ذي مروءة وحلم .
وقد خرج جماعة من أعيانهم ، زانوا الأدب وزيّنوه بحسن بيانهم .
أشعارهم بالألسنة الثلاثة حجة أهل اللّسن ، وفاضحة المذهبات الثلاث الماء والخضرة والوجه الحسن .
لو كنت أوفّيهم حقّهم الراتب ، وأخلص من تبكيت المزدري والمعاتب .
لجعلت الطّرس « 1 » من صحيفة الخد ، والقلم من ألف القد .
ثم كتبت وصفهم بالتّبر ، فضلا عن الحبر .
ووهبت للناسخ ، نفس ودّي الراسخ .
وقلت فليكن الناقل ، ممن لا يقذف صفحته إلّا إلى الصاقل .
وقد ابتدأت الباب باثنين منهم ، رويت حديث الثنا في محلّهم عنهم .
وعقّبتهم باثنين آخرين ، رأيتهما بدمشق وقد بزغا كالقمرين .
ثم أذكر بعدهم من له شعر عربيّ اطّلعت عليه ، ثم من له شعر تركيّ انتخبت من شعره مفردات عرّبتها ونسبتها إليه :
140
- شيخ محمد بن لطف اللّه بن زكريا بن بيرام
أستاذي وملاذي ، وعتادي وعياذي .
عين المعالي وإنسانها ، وقلب المعارف ولسانها .
هامش
( 1 ) الطّرس ، بالكسر : الصحيفة من الورق . اللسان ( طرس ) .
( 140 ) - هو محمد بن لطف الله بن زكريا بن بيرام الشهير بشيخ محمد العربي .
عين الروم وعماد ملك بني عثمان وصدر علمائهم ، وأوحد العصر في العلم والفضل وسائر أدوات الرياسة والآخذ من الآداب بالطرف القوي وكان إليه الإشادة في الفصاحة والبراعة مع حسن النظم والنثر في الألسن الثلاث . توفي أبوه وهو ابن سبع سنين ، فكفله عمه شيخ الإسلام يحيى . ثم أسرع في الاشتغال فقرأ أولا على الأستاذ السيد محمد نزيل قسطنطينية ثم على حامد بن مصطفى الأقسرائي ، وعلى المولى حسن الطويل قاضي العسكر ، ثم لزم المولى محمد الكردي الشهير بمنلا جلبي ، وعلى الملا عبد الله ، وتخرج في الأدب على عمه . ومات عمه بعد ذلك فاستقر في داره وورثه وانضمت إليه حواشي عمه من الصدور .
درس بمدرسة أسماء خان بنت السلطان سليمان ونقل منها إلى دار الحديث وأعطي منها قضاء الشام ثم نقل منها إلى مصر ، ثم عزل وتولى قضاء بروسة ثم أعطي قضاء أدرنة ، ثم صار قاضيا بدار السلطنة ثم ولي قضاء العسكر بإناطولي ، ثم عزل عن قضاء العسكر وقدم إلى دار السلطنة فانزوى في داره واستمر مدة لا يخرج إلا في يوم الثلاثاء ويوم الجمعة . وكانت ولادته بفلبه سنة تسع وثلاثين وألف وتوفي في شوال سنة اثنتين وتسعين وألف ودفن بمدرسة جده شيخ الإسلام زكريا .
ا . ه . خلاصة الأثر ( 4 / 131 ) .