تصدّر بالعلم وجلالة القدر ، حتى شهد له الصّدر بأنه الصدر .
وكانت بلادهم مخضرّة الأكناف من أندائه ، فشمل برّه كافّة أصدقائه وأعدائه .
فأصبح والهمم إليه نازعة ، ولطاعته متنازعة .
والقلوب بولائه صبّة ، وإلى ثنائه منصبّة .
وهو في طمأنينة ورفاهية ، وأعين الطّوارق عن تطرّقه ساهية .
افترّت أيامه ضاحكات المباسم ، واستوت فلك أمانيه على مراسي المواسم .
حتى قام الإمام محمد بن أحمد بن الحسن قومته التي أرهبت ليوث الآجام ، وهي بعد أجنّة لم تخرج من الأرحام .
فما عقد أمانا ، ولا وفّى ضمانا .
ولا أشهد على نفسه ثقة ، ولا غلط يوما بفرط متعة .
ولبس لبس الأشرار ، وخلع حلية الأحرار .
ضربا بالسيوف البواتك ، وطعنا بالرماح الفواتك .
حتى لقيت اليمن منه العبر ، ووقفت من خروجه على جليّة الخبر .
فبعض كبرائها ترك الوطن وجلاه ، والبعض الآخر أسلمته إلى القيود رجلاه .
فكان الحسين ممّن استبدل اليمن بالحرم الآمن ، وأقام به وهو كالدّرّة في وسط الصّدف كامن .
فتلت الألسن سور أوصافه ، واجتلت الأسماع صور اتّسامه بالفضل واتّصافه .
وقد رأيته بمكّة في يوم خرج به متنزّها ، وجوّه يطلع صندلا ، وممشاه يفوح مندلا .
فرأيت ملكا في صورة ملك ، وبدرا طلع من فلك .
عنوانه يدلّ على طرسه « 1 » ، ونور معاليه مبيّن طهارة غرسه .
وطلبت به الاجتماع مع واسط له من أخصّائه مادح ، فاعتذر له بما اعتذر به عزّ الدولة ابن صمادح .
وذلك ما حكى ابن اللّبّانة الشاعر ، قال : ذكرته لأحد ممّن صحبته من الأدباء ، ووصفته بما فيه من الصفات العليّة ، فتشوّق إلى الاجتماع به ، ورغب إليّ في أن أستأذنه في ذلك .
فلما أعلمت عزّ الدولة ، قال : يا أبا بكر ، أتعلم أنّا اليوم في خمول وضيق ، لا يتّسع لنا معهما ، ولا يجمل لنا الاجتماع مع أحد ، لا سيّما مع ذي أدب ونباهة ، يلقانا بعين الرحمة ، ويزورنا بمنة الفضل في زيارتنا ، ونكابد من ألفاظ توجّعه ، وألحاظ تفجّعه . يجدّد لنا همّا قد بلي ، ويحيي لنا كمدا قد فني ، وما لنا قدرة أن نجود عليه بما يرضى به عن همّتنا ، فدعنا كأننا في قبر نتدرّع لسهام الدّهر ، بدرع الصبر .
هامش
( 1 ) الطرس : الصحيفة من الورق . ا . ه اللسان ( طرس ) .