وهو في الفضل كأبيه وجدّه ، وإذا قيس بهما فقد انتهى لأقصى حدّه .
وأما أدبه فقد حلّ من البراعة مكانا عليّا ، وهمى ودقه على ربى الإجادة وسميا ووليّا .
فإذا جال يراعه ، ملأ القرطاس بلاغة وبراعة .
وإذا وشّى الصحائف من حبائر بديهته وإملائه ، فكأنما أفاض عليها من أنواره ولألائه .
وقد أثبتّ له ما يبهج الأدب ويزينه ، وإذا وزن به الشعر رجحت موازينه .
فمنه قوله ، فيما كتبه إلى الأستاذ زين العابدين الصّدّيقي ، يستدعيه لدمشق :
[ البسيط ]
قد ألبس الروض أنواعا من الحبر * وتوّج الغصن إكليلا من الزّهر
ومدّت الأرض وسط الروض حاشية * من الزّمرّد في مستنزه نضر
وقام كلّ خطيب في الرياض شدا * بلحن معبد وقع النّاي والوتر
وفاح نشر عبير في دمشق غدا * يغني بطيب شذا من عنبر عطر
كأن عطر غوان قد ضمخن به * أتت به من نحور نسمة السّحر
وراقبت فرصة الإغفاء فانغلست * كالسحر بين مقر الجفن والشّعر
فاستبضعت كلّ لطف مع لطافتها * واستصحبت كلّ عرف طيّب الأثر
فقمت أنشق ريّاها وقلت لها * جودي عليّ فإني لات مصطبري
وخبّريني أهذا العرف منشأه * عن طيب مخبر أم عن طيّب الخبر
قالت أعندك من هذا النّباء أما * كفاك رونق هذا العام من خبر
فالشام شاميّة والأرض نامية * والسحب هامية بالطّلّ والمطر
من أجل أنّ إمام الوقت أعن به * زين الأنام وكهف البدو والحضر
ذاك الهمام الذي بالمجد قد بهرت * آيات محتده السامي على الزّهر
وابن الإمام الذي ما مثله أحد * إذ كان في الغار ثاني سيّد البشر
يروم جلّق قصدا أن يشرّفها * بالبشر منه فتضحي نزهة النّظر
فقلت أهلا بما أدّيت من نبأ * أودعت في السمع منه أنضر الدّرر
وصرت ألثم فاها فرحة وهوى * ومنطقا ورده أحلى من الصّدر
فأنجز الوعد لطفا منك سيّدنا * فالشام إن جزت صينت عن يد الغير