لا يهبط بلدا إلا أبدى أعجوبة محجوبة ، وبنى دسته على حيلة منصوبة ، وجدّة مغصوبة .
ثم يفارقه مفارقة لبد ، ويقول :
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ
[ البلد : 1 ] .
وقد رأيته بالرّوم وجهه أغبر ، وهمّه من وعائه أكبر .
يظهر كلّ يوم في نمط ، وحيثما سقط لقط .
وعاشر ممن أعرف فرقة رفقة ، أدّاه خلل حاله معهم إلى فرقة وحرقة .
وتلاعبت به الظّنون في ذلك الفريق ، تلاعب موج البحر المهتاج بالغريق .
وبقي أنقى من الرّاحة ، شاكيا بلسان كمده مغداه ومراحه .
وفارقته وهو منغمر في تلك الأوحال ، وتبريحه ما برح وحاله ما حال .
ثم بلغني أنه انتعش ، فكانت نعشته النعشة الأخيرة ، وأدركه أجله الذي نفى الحكيم تقديمه وتأخيره .
وهو بارع في النّظام والنّثار ، إلا أنه يرمى في شعره بالإكثار .
ولكون الكثير مملول الطّباع ، لم أذكر منه إلّا نزرا سهل الانطباع .
فمنه قوله ، من قصيدة في المدح :
العلم والحلم والمعروف والجود * وكلّ وصف حميد فيك موجود
حويت ذلك إرثا عن أب فأب * كأنكم في رياض المجد عنقود
يا من بسؤدده أعداؤه شهدت * وكيف لا وهو مشهور ومشهود
ففي العطا تغرق الدنيا بأجمعها * وفي السّطا تتوقّاك الصّناديد
حاشاك تحرم عبدا مات من ظمأ * ومنهل الجود من كفّيك مورود
لا سيمّا أن لي حقّ الجوار ولي * في كلّ آن بمدحي فيك تغريد
وما تقادم عهدي في الدّعا لكم * إلّا ويعقبه في الحال تجريد
ولم يجاور كريما قطّ ذو أمل * إلّا غدا وهو من نعماه محسود
لكنّ حالي لم يعلم بها أحد * إذ لا يحيط بها رسم وتحديد
وأنشدني نادرة الوقت المولى عارف للنّبهانيّ ، يمدحه :
أنا في التّباعد والدّنوّ * أرجو لمولانا العلوّ
أبدا تراني رافعا * كفّي إلى ربّ عفوّ
أدعوه في سرّ وجه * ر أن يديمك في السّموّ
فيما يسرّ به الصدي * ق وما يساء به العدوّ