أجلّك أن ألقاك بالعذر صادقا * وبعض اعتذار المذنبين خصام
أتبعد حتى ليس في البعد مطمع * وتعرض حتى ما تكاد ترام
وتنسى حقوقي عند أوّل زلّة * وأنت لأهل المكرمات إمام
ألم ألق فيك الأسر وهو مبرّح * وألتذّ طعم الموت وهو زؤام
وأخطو سواد الليل وهو جحافل * وأرعى نجوم الأفق وهي سهام
هو الذنب بين العفو والسيف فاحتكم * بما شئت لا يعلو بفضلك ذام
ولا تبلني بالبعد عنك فإنما * حياتي إلّا في ذراك حمام
إذا ما جزيت السّوء بالسّوء لم يكن * لفضلك بين الأكرمين مقام
أعد نظرا في حالتي تلق باطنا * سليما وسرّي ما عليه قتام « 1 »
فمثلك لم تغلب عوائد سخطه * رضاه ولم يبعد عليه مرام
فلا تنكرن فيما تسخّطت ساعة * فقد مرّ عام في رضاك وعام
وإن عزّ ما أرجوه منك فإنني * لينفعني تسليمة ولمام
فلا تشعرنّي غرّة اليأس إنما * أمامي وراء والوراء أمام
أترضى لفضلي أن يضيع ذمامه * ومثلك لم يحقر لديه ذمام
ومن بدائعه قوله في قسطنطينيّة : [ المتقارب ]
تأوّب مختبطا للكرم * خيال ألمّ شكا من ألم
ديار يخرّ لديها الخليج * وتنسى المحاسن فيها إرم
تعدّى العواصم ثم الدّروب * وكم ضال في ضالها والعلم
يؤمّ الجزيرة دار العلوم * ودست الملوك ومرعى الهمم
أسائله لم قرعت الثغور * وقرع الثغور دليل النّدم
وأنموذج من جنان النعيم * لقد عجّل اللّه فيها النّعم
وعلق بها فتى من بني زرقا العمامة ، بصير بأسباب التبريح بصر زرقاء اليمامة .
عقد على أدقّ من الوهم الزّنّار ، وألقى قلب هذا الموحّد من شغفه بالنار .
فملأ من خمرة وجده كؤوسا لم يدن منها عكر اللّوم ، ولم يبق قدح في عهده إلّا تطفّح سوى هلال شهر الصوم .
هامش
( 1 ) قتام : الغبار . اللسان مادة ( قتم ) .