مع عزم ينفلق دونه الصخر الأصمّ ، وحلم يقصر عنه الطّود الأشمّ .
ورأي عليه المعوّل ، وفكر هو المعقول الأوّل .
وهناك ما شئت من رقة ألفاظ ، ولطافة معان تتعلّم منها السحر غمزات وألحاظ .
وتفنّن في العبارات يتحيّر له اللاحظ ، وغرائب آداب تكلّ في استخراج دقائقها عيون الجاحظ .
إذا طلعت أغصان أقلامه في رياض أدبه الجنيّة الغروس ، سجدت لها الأقلام سجدة الشكر في محاريب الطّروس .
فأقلام إفادته لا تنسب بإعياء قطّ ، وصحائف مجده لم تشن من حسود بنقط .
وهو في اللّسانين فارس بطل ، فالعربيّ من بعده تعجّم والفارسيّ بطل .
وله من عقائل اللسانين كلّ فاتنة الطّرف ، استوفت في مدى البلاغة اللطف والظّرف .
فمن بدائعه قوله : [ البسيط ]
وأهيف القدّ لدن العطف معتدل * بالطّرف والظّرف لا ينفكّ قتّالا
إن جال أهدى لنا الآجال ناظره * أو صال قطّع بالهجران أوصالا
وإن نظرت إلى مرآة وجنته * حسبت إنسان عيني فوقها خالا
كأن عارضه بالمسك عارضني * أو ليل طرّته في خدّه سالا
أو طاف من نور خدّيه على بصري * فخطّ بالليل فوق الصبح أشكالا
وكتب إلى والده وهو بالهراة « 1 » ، في سنة تسع وسبعين وتسعمائة : [ الكامل ]
يا ساكني أرض الهراة أما كفى * هذا الفراق بلى وحقّ المصطفى
عودوا عليّ فربع صبري قد عفا * والجفن من بعد التّباعد ما غفا
وخيالكم في بالي * والقلب في بلبال
إن أقبلت من نحوكم ريح الصّبا * قلنا لها أهلا وسهلا مرحبا
وإليكم قلب المتيّم قد صبا * وفراقكم للروح منه قد سبا
والقلب ليس بخالي * من حبّ ذات الخال
يا حبّذا ربع الحمى من مربع * فغزاله شبّ الغضا في أضلعي
هامش
( 1 ) هراة : مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان . انظر معجم البلدان ( 4 / 471 ) .