فطار كلّ مطار ، ولم يعرّج على أوطان وأوطار .
ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ .
كان كلفا بالغلمان ، معنّى بهم في كل الزمان .
وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة ، وهام به هيمان ذي الرّمّة .
وتحمّل فيه أنواع المشاقّ ، وشهد حتى مصارع العشاق .
وشرب بالفتى ، ولم يقل السّلوّ متى .
وكان قد فضح النهار ليله ، وأفعم الهرم في لهاته سيله .
فمضغته أفواه التشنيع ، وعضّته أضراس النّدامة على هذا الصّنيع .
ثم خرج عنه الفتى مجانبا ، وخلّاه هو وكمده جانبا .
واتفق له أنه كان في جمع من الأعيان ، ممّن يضيق عن وصف تيقّظهم نطاق البيان .
إذ سقط الفتى سقوط النّدى ، وحلّ حلول الأمل في ذلك المنتدى .
فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشيّا عليه ، وفمه على ظاهر قدميه .
فاغتنم تلك الفرصة ، وأطفأ بتقبيلهما تلك الغصّة .
والفتى يظهر امتناعه ، والحيا حطّ عليه قناعه .
حتى زايل مكان زلّة القدم ، هناك قرع الشيخ سنّ الندم .
وشرع يطلب العفو ، وينسب ما وقع منه إلى الغفو .
ثم لم يقرّ به القرار ، دون أن عزم على الفرار .
وخرج إلى الروم حامل أثقال ، وهو بريد ترحّل وانتقال .
وانتهى أمره إلى أن صار قاضيا بصوفيه ، وبها انتقل من ظلّ العافية ، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية .
وقد أثبتّ من شعره ما له في إصابة شاكلة الصواب اشتهار ، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار .
فمن ذلك قوله : [ الوافر ]
رأى ما حلّ من فرط التهابي * ومن ميل الجفون إلى انتهابي
فمال إلى انعطاف العطف نحوي * وأحيى القلب من رشف الرّضاب « 1 »
وقام لنشر برد الوصل يطوي * بأيدي اللّطف أردية العتاب
غزال كالغزالة قد غزاني * بأجفان أصابت كلّ صابي
هامش
( 1 ) رشف : مص الرضاب أو الماء . والرضاب : هو الريق . اللسان ، مادة ( رشف ) .