تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
فطار كلّ مطار ، ولم يعرّج على أوطان وأوطار . ومع أنه يراقبه من الجلالة حافظ ، وهو له في كل شؤونه مطالع ملاحظ . كان كلفا بالغلمان ، معنّى بهم في كل الزمان . وعشق بدمشق فتى اتخذه للخدمة ، وهام به هيمان ذي الرّمّة . وتحمّل فيه أنواع المشاقّ ، وشهد حتى مصارع العشاق . وشرب بالفتى ، ولم يقل السّلوّ متى . وكان قد فضح النهار ليله ، وأفعم الهرم في لهاته سيله . فمضغته أفواه التشنيع ، وعضّته أضراس النّدامة على هذا الصّنيع . ثم خرج عنه الفتى مجانبا ، وخلّاه هو وكمده جانبا . واتفق له أنه كان في جمع من الأعيان ، ممّن يضيق عن وصف تيقّظهم نطاق البيان . إذ سقط الفتى سقوط النّدى ، وحلّ حلول الأمل في ذلك المنتدى . فلم يتمالك الشيخ أن وقع مغشيّا عليه ، وفمه على ظاهر قدميه . فاغتنم تلك الفرصة ، وأطفأ بتقبيلهما تلك الغصّة . والفتى يظهر امتناعه ، والحيا حطّ عليه قناعه . حتى زايل مكان زلّة القدم ، هناك قرع الشيخ سنّ الندم . وشرع يطلب العفو ، وينسب ما وقع منه إلى الغفو . ثم لم يقرّ به القرار ، دون أن عزم على الفرار . وخرج إلى الروم حامل أثقال ، وهو بريد ترحّل وانتقال . وانتهى أمره إلى أن صار قاضيا بصوفيه ، وبها انتقل من ظلّ العافية ، إلى ظل الرحمة الوافرة الوافية . وقد أثبتّ من شعره ما له في إصابة شاكلة الصواب اشتهار ، فإنه إن كان حاطب ليل فأنا في انتخاب أحاسنه قاطف نهار . فمن ذلك قوله : [ الوافر ]
رأى ما حلّ من فرط التهابي * ومن ميل الجفون إلى انتهابي فمال إلى انعطاف العطف نحوي * وأحيى القلب من رشف الرّضاب « 1 » وقام لنشر برد الوصل يطوي * بأيدي اللّطف أردية العتاب غزال كالغزالة قد غزاني * بأجفان أصابت كلّ صابي
هامش
( 1 ) رشف : مص الرضاب أو الماء . والرضاب : هو الريق . اللسان ، مادة ( رشف ) .