تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤

« 84 » علي بن جار اللّه

أحد أمجادهم ، ومتقلّد نجادهم . فاقهم فضلا وكرما ، وأضحى لزوّار المكارم مناخا وحرما . لا يرتجع وفد الآمال عن ساحته ، ولا يزول لقب النّدى عن راحته . وهو رئيس الحرم ومفتيه ، وملتمس الفضل ومؤتيه . وله القدر العليّ ، والفضل الجليّ ، وكلماته على صدور الغانيات من الحليّ . إلا أنه فسيح مدى الافتنان ، ممدود حبال الامتنان . لم يزل في شعاب الفتّاك يتوغّل ، وفي طريق الانتهاك يتغلغل . وطفر آخرا طفرة النّظّام ، فتفرّقت آراؤه في أمور أعيت على الانتظام . وكان أمير غزّة ابن رضوان ممن كثرت عليه عيونه ، وساءت فيه ظنونه ، فاحتال عليه ، في استدنائه إليه . حتى إذا حصل على تلك الأغراض ، فتك فيه على غرّة فتكة البرّاض « 1 » . وذهب كأمس الذّاهب ، والدهر هكذا واهب ناهب . فاللّه يسهم له مع أهل الثواب ، ويلهمه عند السؤال الجواب . وقد أثبتّ له من أشعاره ما تودّ الشمس سناه ، والنسيم اللّدن رقّة معناه . فمنه قوله ، من قصيدة مطلعها : [ الطويل ]
خليليّ هذا الدهر دانت عجائبه * فطمّن فؤادا إن نشبن مخالبه ولا تعتبنه إلى تأخّر ذو حجا * فذا الدهر لم يحرز سباقا معاتبه سكرت بهذا الدهر لا من عقاره * ولكن لما أبدته عندي عجائبه فما محرم الإنسان إلا علومه * وما ذائقوه السّمّ إلا أقاربه
هامش
( 84 ) - علي بن جار اللّه بن أبي بكر بن محمد بن أبي اللطيف ، ويعرف بيتهم بالقدس ببني اللطيف ، وعلى هذا نشأ ، عليه سمت والده ومذهبه ، وكان حنفيا ، ومهر في فنون عديدة ، وكان فاضلا إلى الغاية ، محققا ، قوي الحافظة أديبا ، سمحا ، جوادا ، ممدحا ، فردا في وقته . سافر إلى الروم مرارا ، وولي إفتاء الحنفية بالقدس وخطابة المسجد الأقصى ، وكان كثير المجون ، متهتكا في التعشق والصبابة . وكانت وفاته بغزة هاشم في سنة سبعين وألف ، قتله حاكمها الأمير حسين بن حسن ، وقيل : عدوانا ، وقيل : ورد فيه أمر شريف بقتله ، وذلك لأمور منكرة كانت صدرت منه يرجع أكثرها إلى حب الدنيا والرياسة . ا ه خلاصة الأثر ( 3 / 151 ) . ( 1 ) البرّاض : اسم علم للبرّاض بن قيس : الذي هاجت به حرب عكاظ ، وهو أحد فتّاك العرب . اللسان ، مادة ( برض ) والبرّاض : الذي يأكل كل شيء ويفسده .