« 84 » علي بن جار اللّه
أحد أمجادهم ، ومتقلّد نجادهم .
فاقهم فضلا وكرما ، وأضحى لزوّار المكارم مناخا وحرما .
لا يرتجع وفد الآمال عن ساحته ، ولا يزول لقب النّدى عن راحته .
وهو رئيس الحرم ومفتيه ، وملتمس الفضل ومؤتيه .
وله القدر العليّ ، والفضل الجليّ ، وكلماته على صدور الغانيات من الحليّ .
إلا أنه فسيح مدى الافتنان ، ممدود حبال الامتنان .
لم يزل في شعاب الفتّاك يتوغّل ، وفي طريق الانتهاك يتغلغل .
وطفر آخرا طفرة النّظّام ، فتفرّقت آراؤه في أمور أعيت على الانتظام .
وكان أمير غزّة ابن رضوان ممن كثرت عليه عيونه ، وساءت فيه ظنونه ، فاحتال عليه ، في استدنائه إليه .
حتى إذا حصل على تلك الأغراض ، فتك فيه على غرّة فتكة البرّاض « 1 » .
وذهب كأمس الذّاهب ، والدهر هكذا واهب ناهب .
فاللّه يسهم له مع أهل الثواب ، ويلهمه عند السؤال الجواب .
وقد أثبتّ له من أشعاره ما تودّ الشمس سناه ، والنسيم اللّدن رقّة معناه .
فمنه قوله ، من قصيدة مطلعها : [ الطويل ]
خليليّ هذا الدهر دانت عجائبه * فطمّن فؤادا إن نشبن مخالبه
ولا تعتبنه إلى تأخّر ذو حجا * فذا الدهر لم يحرز سباقا معاتبه
سكرت بهذا الدهر لا من عقاره * ولكن لما أبدته عندي عجائبه
فما محرم الإنسان إلا علومه * وما ذائقوه السّمّ إلا أقاربه
هامش
( 84 ) - علي بن جار اللّه بن أبي بكر بن محمد بن أبي اللطيف ، ويعرف بيتهم بالقدس ببني اللطيف ، وعلى هذا نشأ ، عليه سمت والده ومذهبه ، وكان حنفيا ، ومهر في فنون عديدة ، وكان فاضلا إلى الغاية ، محققا ، قوي الحافظة أديبا ، سمحا ، جوادا ، ممدحا ، فردا في وقته .
سافر إلى الروم مرارا ، وولي إفتاء الحنفية بالقدس وخطابة المسجد الأقصى ، وكان كثير المجون ، متهتكا في التعشق والصبابة .
وكانت وفاته بغزة هاشم في سنة سبعين وألف ، قتله حاكمها الأمير حسين بن حسن ، وقيل :
عدوانا ، وقيل : ورد فيه أمر شريف بقتله ، وذلك لأمور منكرة كانت صدرت منه يرجع أكثرها إلى حب الدنيا والرياسة . ا ه خلاصة الأثر ( 3 / 151 ) .
( 1 ) البرّاض : اسم علم للبرّاض بن قيس : الذي هاجت به حرب عكاظ ، وهو أحد فتّاك العرب .
اللسان ، مادة ( برض ) والبرّاض : الذي يأكل كل شيء ويفسده .