تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
ولقد رأيت من فضله ما لم أر قبل ولا بعد ، وطالما حصلت منه على أمانيّ في هذا الشأن من غير وعد . فمن لفظ إذا سمعته قلت كأن العرب استخلفته على لسانها ، ومعنى إذا تخيّلته قلت : هذا للبراعة إنسان عينها وعين إنسانها . إلى محاضرة إذا تحرّى في أسلوبها الرشيق ، تهمّ ببسط الحجر لالتقاط درّها النّسيق . وأما حديث لين العريكة « 1 » ، ودماثة « 2 » السّليقة ، فلم ير من يشبهه في الخلق والخليقة . بأدب ضافي الذّيل مطرّز الكمّ ، وشعر يكاد يحيي الجماد وينطق البكم . وها أنا أورد من أشعاره ما تزهو به القراطيس على صفحات الخدود المحشّاة بالسّوالف ، ويغني عن لّذّة السّلاف السّلسل تذهّبت به اللّيالي السّوالف . فمن ذلك قوله من قصيدة ، مطلعها « 3 » : [ الوافر ]
يعدّ عليّ أنفاسي ذنوبا * إذا ما قلت أفديه حبيبا وأبعد ما يكون الودّ منه * إذا ما بات من أملي قريبا حبيب كلّما يلقاه صبّ * يصير عليه من يهوى رقيبا سقاه الحسن ماء الدّلّ حتى * من الكافور أنبته قضيبا يعاف منازل العشّاق كبرا * ولو فرشت مسالكها قلوبا فلو حمل النّسيم إليه منّي * سلاما راح يمنعه الهبوبا أغار على الجفا منه لغيري * فليت جفاه لي أضحى نصيبا وأعشق أعين الرّقباء فيه * ولو ملئت عيونهم عيوبا لقد أخذ الهوى بزمام قلبي * وصيّر دمع أجفاني صبيبا وما أمّلت في أهلي نصيرا * فكيف الآن أطلبه غريبا وأقصد أن يعيد روا شبابي * زمان غادر الولدان شيبا وما خفيت عليّ النّاس حتى * أروم اليوم من رخم حليبا إذا طنّ الشّباب خشيت منه * لفقد مساعدي يلفى مجيبا وهب أنّي حكيت الشّاة ضعفا * فما لي أحسب السّنّور ذيبا
هامش
( 1 ) العريكة : الطبيعة ، يقال : فلان لين العريكة ، إذا كان سلسا ، مطاوعا ، منقادا ، قليل الخلاف والنفور . لسان العرب ، مادة : / عرك / . ( 2 ) الدماثة : سهولة الخلق . لسان العرب ، مادة : / دمث / . ( 3 ) ديوانه ص ( 28 - 29 ) .