ولقد رأيت من فضله ما لم أر قبل ولا بعد ، وطالما حصلت منه على أمانيّ في هذا الشأن من غير وعد .
فمن لفظ إذا سمعته قلت كأن العرب استخلفته على لسانها ، ومعنى إذا تخيّلته قلت : هذا للبراعة إنسان عينها وعين إنسانها .
إلى محاضرة إذا تحرّى في أسلوبها الرشيق ، تهمّ ببسط الحجر لالتقاط درّها النّسيق .
وأما حديث لين العريكة « 1 » ، ودماثة « 2 » السّليقة ، فلم ير من يشبهه في الخلق والخليقة .
بأدب ضافي الذّيل مطرّز الكمّ ، وشعر يكاد يحيي الجماد وينطق البكم .
وها أنا أورد من أشعاره ما تزهو به القراطيس على صفحات الخدود المحشّاة بالسّوالف ، ويغني عن لّذّة السّلاف السّلسل تذهّبت به اللّيالي السّوالف .
فمن ذلك قوله من قصيدة ، مطلعها « 3 » : [ الوافر ]
يعدّ عليّ أنفاسي ذنوبا * إذا ما قلت أفديه حبيبا
وأبعد ما يكون الودّ منه * إذا ما بات من أملي قريبا
حبيب كلّما يلقاه صبّ * يصير عليه من يهوى رقيبا
سقاه الحسن ماء الدّلّ حتى * من الكافور أنبته قضيبا
يعاف منازل العشّاق كبرا * ولو فرشت مسالكها قلوبا
فلو حمل النّسيم إليه منّي * سلاما راح يمنعه الهبوبا
أغار على الجفا منه لغيري * فليت جفاه لي أضحى نصيبا
وأعشق أعين الرّقباء فيه * ولو ملئت عيونهم عيوبا
لقد أخذ الهوى بزمام قلبي * وصيّر دمع أجفاني صبيبا
وما أمّلت في أهلي نصيرا * فكيف الآن أطلبه غريبا
وأقصد أن يعيد روا شبابي * زمان غادر الولدان شيبا
وما خفيت عليّ النّاس حتى * أروم اليوم من رخم حليبا
إذا طنّ الشّباب خشيت منه * لفقد مساعدي يلفى مجيبا
وهب أنّي حكيت الشّاة ضعفا * فما لي أحسب السّنّور ذيبا
هامش
( 1 ) العريكة : الطبيعة ، يقال : فلان لين العريكة ، إذا كان سلسا ، مطاوعا ، منقادا ، قليل الخلاف والنفور . لسان العرب ، مادة : / عرك / .
( 2 ) الدماثة : سهولة الخلق . لسان العرب ، مادة : / دمث / .
( 3 ) ديوانه ص ( 28 - 29 ) .