فهما إن ابتدآ الأمرين في الوجود ، فهو الذي انتهى به الفضل والجود .
وأحسن ما في الطّاووس الذّنب ، وفي الخمر معنى ليس في العنب .
هذا ، وكلّ ناطق بلسان ، وعارف بحسن واستحسان .
مجمع على فضله الذي اقتضى لذكره التّخليد ، فالعالم عرفه بعلمه ، والجاهل قال بالتّقليد .
وهو منذ لاح هلاله في أوجه ، وأبوه بين حزب الإقبال وفوجه .
يفدى بالشّموس والأقمار ، ويمدّ بالأنفس والأعمار .
وإن لم يكن في قبّة السّما ، فهو في بحبوحة القنّة الشّمّا .
يباهي بسؤدد اتّصلت أصوله اتّصال الشّآبيب ، وتناسبت فروعه تناسب الرّماح كعوبا على كعوب ، وأنابيب على أنابيب .
وعزّ له ذروة تفضي إلى روض بالسّماح يجود ، فكم لجباه العفاة لديه من مجال سجود في مجالس جود .
حتى قعد مقعد والده ، واحتوى من رياشه على طريفه وتالده .
هنالك سلك من البذل ما سلك ، وسخا والسّخيّ جوده بما ملك .
فأعرضت عنه الأيّام إعراض النّسيم على الرّوضة الغنّاء ، وتخلّت عنه تخلّي العقد عن عنق الحسناء ، [ م . الكامل ]
وإذا الجواد يبيت من * جور الزّمان على وساد
كالعين تفرح غيرها * وتظلّ لابسة الحداد
وقد أدركته وسبجه « 1 » بدّل بعاجه ، وسمهريّ « 2 » قدّه رمي باعوجاجه .
وكان بينه وبين أبي محبّة ومودّة ، ومجالس اجتماعات لمذاكرة الأدب معدّة .
فكنت أجني من مطارحتها بدائع مائسات الأعطاف ، وأقطف روائع مستعذبات الجنى والقطاف .
هامش
ووهبه اللّه تعالى الذكاء وقوة الحافظة ، وحسن التخيل والأداء ، وكان فصيح اللهجة ، كثير المحفوظات ، جيد المناسبات ، كريم الطبع ، خلوقا ، متواضعا . ولما مات والده تقلبت به الأحوال ، وأنفق ما ورثه عن والده ، وذلك لمبالغته في البذل والسرف ، ثم انزوى مدة في داره ، إلى أن أنف من الإقامة فقوض عن الشام خيامه ، وهاجر إلى الديار الرومية ، وأقام بها مؤملا إدراك ماله من الأمنية . وكان قبل موته بنحو سنة ترك العزلة وظهر وعاشر قرناءه الذين ألفهم من زمن الصبا ، ثم مرض وطال به المرض مدة أشهر ، وتوفي في سنة ثمانين وألف عن ثلاث وسبعين سنة ، ودفن بتربتهم بجامع جدهم بميدان الحصا .
وله في تغربه بالروم أشعار كثيرة سماها الروميات معارضا بالتسمية روميات أبي فراس ا . ه .
خلاصة الأثر ( 4 / 409 )
( 1 ) سبجه : السّبج : خرز أسود ، وخيل معرب ، أصله سبه . القاموس المحيط ، مادة / سبج / .
( 2 ) السمهري : الرمح الصلب . القاموس المحيط ، مادة / سمهري / .