جاروا ولو علموا أنّي لحكمهم * طوع القياد لما جاروا ولا ظلموا
ضنّوا بصحبتهم عنّا ولو علموا * صدق المحبّة منّا خلتهم ندموا
هم عرّضونا لبلواهم بقربهم * حتى إذا ما رأوا إقبالنا سئموا
كنّا بنينا لهم في القلب منزلة * علياء حتى إذا ما شيّدت هدموا
ظنّوا بنا غير ما تطوي سرائرنا * واللّه يأبى الذي ظنّوه والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي * أنا الثّريّا وذان الشّيب والهرم
رأيتهم لم يملّوا خلّتين لهم * وبئست الخلّتان الغدر والسّأم
رحلت عنهم ولي في كلّ جارحة * منّي لسان عليهم يشتكي وفم
وإن ترحّلت عن قوم وقد قدروا * أن لا تفارقهم فالرّاحلون هم
يا نازحين عراهم من تذكّرنا * عار فلا مسّكم من بعد ذا ألم
جنيتم ثم رحتم عابثين وهل * في العدل أن يعتب الجاني ويجترم
كنتم ولا عيب فيكم غير أنّكم * قد شاب ماءكم للشّاربين دم
عجبت منكم وفي أخلاقكم عجب * كيف استوى فيكم المخدوم والخدم
سلبتم النّفع حتى ظن طالبكم * أن الذي قد تولّى كبركم صنم
غدرتم ووفينا في محبّتكم * إنّ الوفاء لدى أهل النّهى ذمم
قد كنت يوسف إذ بعتم كإخوته * بالبخس منّي فتى تغلو به القيم
لا ذنب فيما أحلتم للوشاة وهل * للخصم ذنب إذا لم ينصف الحكم
إن كان يجمعنا حبّ لفرقتكم * فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
هل في القضيّة ممّن لست أنسبهم * أنّى على حبّكم بالصّدق متّهم
إن كان حبّ الفتى ذنب يعدّ له * إنّي إذا أنا بالبغضاء متّسم
زعمتم أنّنا نهوى شمائلكم * وإنّما تعشق الأخلاق والشّيم
أيّ الفريقين أوفى عندكم نفر * هووا وما كتموا أم معشر كتموا
لم تفرقوا ما البزاة الشّهب عندكم * وقد أحاطتكم الغربان والرّخم « 1 »
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
فرّطتم في عقود الودّ فاغتنموا * تفريطكم إنه ما ليس ينتظم
جمحتم اليوم عن طرق الوفاء فلا * جذب الأزمّة يثنيكم ولا اللّجم
رحتم تغضّون منّي دون أسرتكم * حتّى كأنّي في أجفانكم سقم
هامش
( 1 ) البزاة : جمع بازي . القاموس المحيط ، مادة ( باز ) .
الرخم : طائر يطلى بمرارته لسمّ الحية وغيرها . القاموس المحيط ، مادة ( رخم ) .