ما منهم إلا جواد شهدت بسبقه ميادينه ، وأديب حبّ الأدب شرعته ودينه .
وكانوا ولاة طرابلس الشّام وحكّامها ، وبقائم سيفهم تولّوا صيانتها وإحكامها .
حتى وقع بين كبيرهم هذا وبين الأمير فخر الدين بن معن ، ذاك الغادر الذي قتل الرّاعي وساق الظّعن .
فجرت بينهما حروب لم يحصل أحد منها على وطر ، وبقي الأمر بينهما مدة في تناكر مفض إلى خطر .
ثم خرج في أثناء ذلك ابن جانبولاذ الذي جاهد في الخلاف وجاهر ، وكاشف بالانحراف عن السّلطنة وكاشر .
فانضمّ إليه ابن معن وحزبه ، الذين تدرّعوا جلود الحيّات ، وأقاموا آلات حربهم مقام أنمل التّحيّات .
وكان من أمر اللّه أنّ الأمير يوسف جهّز عليهم ، ووصل بجموعه التي يقدر أن يغلّ بها جيش المصائب إليهم .
وهممه معلّقة بالأثير ، محلّقة على فلك التدبير .
غير أنّ يد القدر فوق التّقدير ، وما يصنع المرء إذا وقع في البير .
فلما تقابل الجيشان تمّت على ابن سيفا الهزيمة ، وانحلّت منه تلك العزيمة .
وفرّ من ذلك المكان إلى دمشق ، فأقام بها مختفيا أياما ، وهو من وساوس وهمه لم يطعم مناما .
فقصدوه متتبّعين زلّة قدمه ، وطالبين بسيف الاعتداء سفك دمه .
فدخل بينهم أهل دمشق وأطفأوا تلك النائرة ، وأخمدوا ببرد الصّلح تلك الفتنة الثّائرة .
بمال حملوه إلى القوم ، وسلموا به من المحذور واللّوم .
وانقلب ابن سيفا إلى وطنه ، وهو شاكّ من ضيق عطنه .
وتبدّل تبسّمه ذاك بالقطوب ، ونال القلوب كمد خطبه الذي لا كالخطوب .
ومن ثمّ حالت بدولة بيته الأحوال ، ولم تطل أيّامهم حتى أذنت شمسها بالزّوال .
فعلى ما تضمّنهم من تلك الأريحيّة ، أزكى السلام من اللّه تعالى والتّحيّة .
وهذه الجملة وقعت في الاثنا ، فكانت باعثة على ما هو طلبتي من الثّنا .
وأرجع إلى ما أنا بصدده ، أمدّني اللّه بمدده .
ومن شعر الأكرميّ قوله من خمريّته : [ الخفيف ]
كم جلونا في ليلة الفطر والأض * حي على قاسيون بكر الدّنان
وشربنا في ليلة النّصف من شع * بان صرفا وفي دجى رمضان
ونهار الخميس عصرا وفي الجم * عة قبل الصّلاة بعد الأذان