ومن إليه يصبو القلب ويحنّ ، وبتذكّره ينثني غصن البراعة ويرجحنّ .
ففي أوصافه مشمّ للرّوح عبق ، ولطف يروّق به كاسه المصطبح والمغتبق .
فروض ودّه غضّ ، وعرضه الطّاهر لا ينال منه ولا يغض .
ومدامة طبعه لم يهنها عصّار ، وشفوف فكره لم يحتمل منّة قصّار .
مع ماله من أخلاق أقطعها الرّوض أنفاسه ، وشيم ينافس فيها رغبة ونفاسة .
وأدب دار به رحيق البيان المعتّق ، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتّق .
ينشر منه ما هو أزكى من النّشر من خلال النّواسم ، بل أحلى من الرّيق يترقرق في خلال المباسم .
ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا ، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا .
بين روض من خلقه خلق ، ونسيم عرفه بشمائله علق .
جلاليب نشوته صفاق ، وأردية شموله وصباه رقاق .
لا ينتعش إلا بغرّة رقراق الشباب الغرير ، ولا يولع إلا بطرّة الظل فوق وجه الغدير .
فهنالك بين الغصن والصّبا ، والقطر وزهر الرّبى .
ولّد آدابه التي هي عبارة عنها ، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها .
وقد جمع شعره في ديوان سمّاه « مقام إبراهيم ، في الشعر النّظيم » .
أكثره روضيّات يغض عندها وشي الخميلة ، وغزليّات يتستّر عندها نقش الغانية الجميلة .
وخمريّات صيغت مداما فهي للمسامع مشروبة ، وحكميّات أبياتها أمثال في الدنيا مضروبة .
وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه ، حتّى كأنّ الحبيب يتنفّسه .
ويعبق روحه ، حتّى كأنّ فوح الزّهر فوحه .
قال في ديباجته : هذه نبذة من شعر سمح به الخاطر على جموده ، وتوقّد به الفكر على خموده .
وإن كنت في زمن العاقل فيه خليق بالصّمت ، وإن أدّاه إلى المقت .
ذهب جلّ النّاس ، وأين الزّعنفة من الرّاس .
لا يجاز فيه شاعر ، ولا يكرم أديب ماهر .
غير أن حبّ الأدب في الطّباع ، وهو داع إلى الاتّباع .
اتّباعهم في التراكيب والبنا ، لا في الإجادة لعدم الغنا .
ذهبت الإفادة ، فكيف بالإجادة .
ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور ، وذنبه فيما أتاه مغفور .
إذ أرتج باب البواعث والدّواعي ، بانقراض أهل الكرم والمساعي .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 25
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٢٥