وقد أبدع الشّهاب في قوله « 1 » : [ السريع ]
قيامة قامت بموت الذي * بموته مات الندى والكمال
فإن شككتم فانظروا نعشه * وشاهدوا كيف تسير الجبال
« 39 » زين الدين بن أحمد البصرويّ
هو لذات الأدب زين ، وبه ينجلي عن القلب كلّ رين .
وكان صحيبي من منذ سنين ، ولا أعدّه في العشرة إلّا من المحسنين .
مثابته عندي مثابة الروض العاطر ، ومحلّه من ودّي محلّ القلب والخاطر .
أذكره فأرتاح ارتياحة القضب الملد « 2 » ، وأتذكّره فأشتاق إلى النعيم وجنّة الخلد .
وهو من لطف الذّات ، وشفوف الخصال المستلذّات .
ممّن تتحاسد عليه الأسماع والعيون ، ويشترى يوم وصله بنوم الجفون .
وقد فقدته أوّلا فقد غربة ، ثم غيّبته في تلك الغربة غيبة تربة .
فانقطعت عنّي بموته إمدادات الموادّ والمواتّ ، وهيهات هيهات أن يتدارك ذلك الفوات .
فرحم اللّه تلك الروح اللطيفة ، ولا برحت سحائب الغفران بقبره مطيفة .
فممّا بلغني من شعره ، ما كتبه إلى شيخنا المرحوم إبراهيم الخياريّ المدنيّ ، وقد أهدى إليه فستقا : [ الكامل ]
لما تركت القلب عندكم * وغدوت مشغوفا بكم صبّا
وخشيت أن تخفى مكانته * صيّرت ما يهدى لكم قلبا
فأجابه بقوله : [ الكامل ]
لما علمت القلب عندكم * أهديت لي من لطفك القلبا
هامش
( 1 ) هو الشهاب الخفاجي . انظر سلك الدرر ( 1 / 245 ) .
( 39 ) - هو زين الدين بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن زكريا بن خليل الشهير بالبصروي الشافعي الدمشقي ، الشيخ العالم ، الفاضل ، الأديب .
ولد في جمادى الثانية سنة تسع وثلاثين بعد الألف ، وأخذ عن الشيخ عبد القادر الصفوري والشيخ خير الدين الرملي ، ورحل إلى الشيخ يحيى الشاوي المغربي المالكي بالروم وأجازه . وتولي تولية المدرسة الصلاحية بالقدس الشريف مع إفتاء الشافعية بها ، واستقام بدار الخلافة من الروم مدة وصار إماما عند ابن الكوبريلي الوزير الأعظم مصطفى باشا ، وتردد إلى دمشق مرارا . وله يد طولى في علم التاريخ وزاد أشياء في تاريخ الإمام جمال الدين محمد بن عزم المغربي نزيل مكة .
وكانت وفاته في محرم سنة اثنين وماءة وألف في منزلة يعزونة رابع مرحاة عن بلغراد راجعا إلى إسلامبول ، لأنه كان مع الوزير الأعظم مصطفى باشا الكوبريلي في السفر ، وحضر فتح بلغراد ، وفتح نيش ، ودفن في المنزلة المذكورة وبني عليه قبر من الأحجار على قارعة الطريق الآخذ إلى بلغراد . والبصراوي بضم الباء نسبة لبصرة الشام . ا . ه . سلك الدرر ( 2 / 120 ) .
( 2 ) القضب الملد : الأغصان الناعمة . انظر لسان العرب ، مادة : / قضب / و / ملد / .