فأقلع عن تلك الهنات ، ومحا كثيرا من سيّآته بحسنات ، ولزم الفقه متّجرا في مسائله ، وكان لتحصيل أمانيه من أعظم وسائله .
وقد صحبته والأيّام أمالت قناته ، وأمرّ المرض المؤلم مجنّاته ، فاستحالت صفته ، وتقلّصت شفته .
لكنها وإن ذبلت خمائله ، فلم تزل غضّة شمائله .
وإن تفرّقت ديمه ، فما برحت ملتئمة شيمه .
فكنت أتمتّع من منادمته الحلوة ، بلطائف لها في كلّ قلب خلوة .
وأخذت عنه من أشعاره ما يبهر الشّمس في الشّروق ، ويتمشّى تمشّي الرّاح السّلسل في العروق .
وها أنا ذا أورد منه ما يطري ويطرب ، ويجعله زاده كلّ مشرّق ومغرّب .
فمن ذلك قوله يمدح المولى عارف ، المذكور في ديباجة الكتاب : [ م . الكامل ]
جذبت محاسنك القلوبا * حتى غدوت لها الحبيبا
وطلعت من أفق العلا * بدرا لخرّده خطيبا
ونفثت روحا في النّفو * س سرت فكنت لها الطّبيبا
وغدا بقطر نداك رو * ض الفضل مخضلّا خصيبا
وكسوت من حلل الرّبي * ع جنانه بردا قشيبا
فحدائق الآداب من * ك تنفّست مسكا وطيبا
وتجاذبت فيها نسا * ثم لطفك الغصن الرّطيبا
وغدا يناغي فوقه ال * قمريّ بلبلها الطّروبا
وأدرت من سلسالها * ما بيننا كأسا وكوبا
وأبحت خلّان السّرو * ر من العلا الصّدر الرّحيبا
يا فاضلا أنسى العما * د بديعه وسما الخصيبا
وجلا على الأسماع من * أبكاره عربا كعوبا
من للثّغور من الحسا * ن عن المحابر أن تنوبا
وخدودهنّ تكون قر * طاسا لراحته رقيبا
وقدودهنّ يراعة * من لمس أنمله قريبا
ونواظر الأحداق أن * فاسا إذا أنشى نسيبا
مولاي يا ربّ الكما * ل ومن غدا الشّهم الأريبا
يا عارف الوقت الّذي * تخذ الفخار له نصيبا
أبديت بالسّحر الحلا * ل من البيان لنا العجيبا