إلى ظرف ريحانه يرفّ ، وطبع هواه يشفّ .
ومحاضرة مع الرّاح تتّفق ، ولا تفترق .
وتأتلف ، ولا تختلف .
إلّا أنّه كان عليه للهوى وثبات ، لا يرجى له فيها قرار وثبات .
فإذا عارضته رأيت غمرات بواعث طافحة ، وجمرات لواعج لافحة .
وهموما على جوانح جوانح ، وآلاما منها في جوارح جوارح .
وكنت عاشرته لأستمطر ديمته ، وأختبر في هذا المعرض شيمته .
وكان عفّ عن الصّبوة ونسك ، وكفّ عن الشّهوات وأمسك .
ولم يبق فيه إلّا بقيّة ، تخلّت على بيضاء نقيّة .
فرأيته مغلوب سورة طباعه ، وقد استولت النّفرة على طرف انطباعه .
إلمامه فلتة غبيّ ، وإغبابه فترة نبيّ .
فكنت معه على أحسن فطرة ، ولم تلحقني في هواه فترة .
واختلست منه أوقاتا كلمعة شارق ، وخطفة سارق .
ونقر العصافير ، خوف النّواطير .
وأنا من منذ فقدته ، لم أر عنه بدلا ، وأعطافي مملوءة به ترنّما وجذلا .
وكان في آخره حجّ ورجع رفيق زهد وإنابة ، فلم يلبث حتى دعاه الدّاعي الذي لا بدّ له من إجابة .
فيا له من حجّ ، وعمرة ، ختم بطابع النّقاء عمره .
والحمد للّه الذي أحسن له الاختيار ، فقبضه إليه قبض الأخيار .
وقد أوردت من أشعاره التي هي فروع أماليه ، ما يحرّك الجمادات إذا ما تحرّك تاليه .
فمن ذلك قوله في الغزل : [ الخفيف ]
خلّياني ولوعتي ونحيبي * ليس إلا صاب بدمع صبيب
وابكياني فإنّ من جرح اللّح * ظ قتيل وما له من طبيب
أيّ صبّ سمعتما علقته * أعين الغيد فهو غير سليب
بأبي معرض ألوف نفار * ذو اختلاق تفنّنا للذّنوب
فعله كلّه حبائل فتك * قد أعدّت لصيد كلّ القلوب
تتحرّى مقاتل الصّبّ عينا * ه برشق النّبال في التّصويب
ذو وقار أهابه أن أحيّ * يه إذا ما بدا بلفظ حبيبي
فهو لم أدر جاهل خبر حالي * أم يريني تجاهلا كمريب
أبدا دأبه ودأبي هذا * وكلانا في الحال غير مصيب