وللبديعيّ يودّع ابن الحسام ، حين فارق الشّام ، بعد انفصاله عن قضائها ، وتوجّه إلى مركز عزّه ، ويعتذر إليه عن تخلّفه عنه « 1 » : [ الطويل ]
أحاشيه عن ذكرى حديث وداعه * وأكبره عن بثّه وسماعه
وما كان صبري عند وشك النّوى على ال * جوى غير صبر الموت عند نزاعه
ونحن بأفق الشّام في خدمة الّذي * يضيق الفضا عن صدره واتّساعه
أجلّ حماة الدّين وابن حسامه * وحامي حمى أركانه وقطاعه
عشيّة توديع المآثر والعلى * وكلّ فخار للورى في رباعه
وما سرت عن وادي دمشق ولم يسر * وسؤدده في مدنه وضياعه
سوى أنّني لا أرتضي أن أرى به * سواه على أعيانه ورعاعه
فأيّ فؤاد بعد يوم رحيله * غدا سالما من وجده وانصداعه
فيا أيّها السّاري عن الشّام بعد ما * ثوى عدله في قاعه وبقاعه
ويا قادما بل راحلا عن بلادنا * وفي كلّ أرض نيّر من شعاعه
فلا تنس عبدا نازحا شاع ذكره * إلى بابك السّامي علا بانقطاعه
ومن كان للأسد الضّواري انتماؤه * له غنية في دهره عن ضياعه
وأنت الذي نوّهت من قبل باسمه * وأبقيت ذكرا خالدا باصطناعه
وله من قصيدة ، يمدح بها النّجم الحلفاويّ ، مطلعها : [ الطويل ]
أتى زائرا وهنا ولم يخش عاذلا * ونور ذكاء الأفق سار مراحلا
وجاد بما لو رمته من خياله * لكان لما أولى من الوصل باخلا
حبيب لو أنّ البدر أصبح حائزا * ضياء محيّاه لما زال كاملا
رشيق كخوط الخيرزان ما انثنى * وما مال إلا وانثنى القلب مائلا
يحرّك بالأعطاف أجنحة الهوى * إذا حرّكت من فوقهنّ الغلائلا
فبتّ أعاطيه سلاف مدامة * تردّ الدّياجي من سناه أصائلا
إذا بزغت من راحتيه بدا من السّ * رور لنا ما كان من قبل آفلا
إلى أن نضا ثوب الشّباب الدّجى وقد * غدت زهره إلا قليلا أوافلا
وذو الرّعثات الحمر هبّ كأنّما * عليه ضياء الفجر شام مناصلا
الرّعثات : جمع رعثة ، ورعثة الدّيك : عثنونه .
قال الشاعر : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) الأبيات الست الأولى في خلاصة الأثر ( 4 / 510 ) .