« 12 » - يوسف البديعيّ
أديب للبديع من القول منسوب ، وواحد بألف من البديع محسوب .
أطلع الكلام باسقا ، ووافى به درّا متناسقا .
وكان خرج من دمشق وعوده طريّ ، وشرابه سائغ مريّ .
لم تتقشّع غمامته ، ولم تذبل كمامته .
وعلى قدر جماله ، رزق حظا من كماله .
فدخل الشّهباء وناسها أولئك النّاس ، وأوقاتها يومئذ تودّد وإيناس .
فتبسّمت له خلائقهم عن شفاه الصّباح ، وكأنّما هي الرّياض باح بسرّها نفس الصّباح .
وحسن في أعينهم حسن الحور ، ووقع في قلوبهم وقع الوطر .
وما برح أمره يروق ويحسن ، حتى خطبته القلوب وهتفت به الألسن .
فصدح بشعره مترنّما في ناديهم ، ونال بهم مغانم من أياديهم .
وجلب لهم درّ الكلام ، فحلب منهم درّ الكرام .
ولمّا وافاهم ابن الحسام متوشّحا بالقضاء ، وخليفة للسّيف في المضاء .
وله البسالة التي تقتنص شوارد المعالي وتفترس ، والأريحيّة التي يحتمي بها الأمل من الخطوب ويحترس .
ووزنه بميزان الاختبار ، فألفاه حريّا بالاعتبار .
فنوّه به ، واعتنى بأدبه .
وولي الشّام فصحبه ملتحفا بالحظوة ، وواقفا من تقرّبه بتلك الرّبوة .
ودخل بعدها الرّوم لخدمته ، وتقلّب دهرا في خصائص نعمته .
وباسمه ألّف من كتبه ما ألّف ، وجارى في حومة السّبق من تقدّمه فما تخلّف .
وهو في الأدب ممّن ملك للبيان عنانا ، وهصر من فنونه المتنوّعة أفنانا .
إن نثر فما الدّرّ المنثور انفصم نظامه ، أو نظم فما اللّؤلؤ المشهور نسّقه نظّامه .
وله في الفوائد الفرائد ، ما تنتقيه لأوساط القلائد الخرائد .
هامش
( 12 ) - هو يوسف المعروف بالبديعي الدمشقي الأديب ، الذي زين الطروس برشحات أقلامه . خرج من دمشق في صباه فحلّ في حلب ، فلم يزل حتى بلغ الشهرة الطنانة في الفضل والأدب . وألف المؤلفات الفائقة منها كتابه : « الصبح المنبي في حيثية المتنبي » وكتاب « الحدائق في الأدب » . ولي قضاء الموصل .
قال المحبي : ولما رأى كتاب الخفاجي « الريحانة » عمل كتاب « ذكرى حبيب » فأحسن وأبدع ، وأطال وأطنب ، وأعرب عن لطافة تعبيره ، وحلاوة ترصيعه ، إلا أنه لم يساعده الحظ في شهرته ، فلا أعلم له نسخة إلا في الروم عند الشيخ محمد عزتي ونسخة أخرى عنده " توفي بالروم سنة ثلاث وسبعين وألف . خلاصة الأثر ( 4 / 510 ) .