واها لها من فتاة إن رنت فعلت * ما ليس يفعله الهنديّ عيناها
ومن جيّده قوله في الخال : [ الخفيف ]
قال لي من غدا إمام أولي الفض * ل وربّ المباحث الفلسفيّه
إنّ عندي برهان حقّ على نف * ي الهيولى والصّورة الجسميّه
قلت ما هو فقال شامة حبّي * قد غدت وهي نقطة جوهريّة
قلت : هذا جار على رأي المتكلمين في الرّدّ على الحكماء ، من أن إثبات النقطة يستلزم نفي الهيولى والصّورة ، وقد حاول محاولة عجيبة .
ومثل هذا الاستعمال - أعني استعمال ألفاظ أهل الكلام والهندسة والنحو - ممّا قال فيه ابن سنان الخفاجيّ : ينبغي أن لا يستعمل في الكلام المنظوم والمنثور .
قال : لأن الإنسان إذا خاض في علم ، وتكلّم في صناعة ، وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصّناعة .
ثمّ مثّل ذلك بقول أبي تمّام « 1 » : [ البسيط ]
مودّة ذهب أثمارها شبه * وهمّة جوهر معروفها عرض
قال ابن الأثير ، في « المثل السائر » : وهذا الذي أنكره هو عين المعروف في هذه الصناعة . [ مخلع البسيط ]
إن الذي تكرهون منه * هو الذي يشتهيه قلبي
فقوله : « إن الإنسان » إلى آخره ، مسلّم إليه ، ولكنه شذّ عنه أنّ صناعة المنظوم والمنثور مستمدّة من كل علم وكلّ صناعة ؛ لأنها موضوعة على الخوض في كلّ معنى ، وهذا لا ضابط له يضبطه ، ولا حاصر يحصره .
وقال ابن المعتزّ ، في كتاب « البديع » : وممّا يعاب على الشّعراء استعمال ألفاظ الحكماء ، كالكيمياء ، والسّيمياء ، والهيولى .
ولعله كان معيبا في الصّدر الأوّل ، لأنه لم يؤلف استعماله ، وعلى أمثالنا لا يعاب ؛ لشيوعه ، بعد نقل كتب اليونان إلينا ؛ فإن اللفظ قد يعدّ فصيحا عند قوم دون آخرين .
ألا ترى أن أبا هلال قال في كتابه « الصناعتين » ، الوحشيّ يعاب على القرويّ دون البدويّ ، الذي هو لغته ؛ لأنه معروف عندهم . وهذا ممّا أطلقه أرباب المعاني فاحفظه .
هامش
( 1 ) انظر ديوانه ( 401 ) .