على أنّ شرطها للحنفية ، وكان شافعيا فتركها ، ثمّ حصلت له جذبة ، وبلغه أوصاف الشيخ آق شمس الدين الآتي « 1 » ، فتوجّه إليه راكبا على حمار ، فلمّا قدم عليه وجد النّاس حوله يسألونه عن الأمراض البدنيّة ، فقال : يا عجبا ! ليس أحد يسألني عن الأمراض الرّوحانية « 2 » ، فقال له صاحب الترجمة : أنا أسألك عنها ، فقال : من أنت ؟
فقال : كنت مدرّسا ، فحصل بقلبي همّ عظيم ، أتيتك راجيا مداواته ، فقال : هل صحبت معك هدية ؟ - وكنت فقيرا لا أقدر على شيء - فخجلت ، ففطن لذلك ، وقال : أسألك عن الواقعات ، والأحوال ، فقلت : ليس شيء سوى سواد القلب والوجه ، فأدخلني الخلوة ، فرأيت تلك الليلة أربع مائة واقعة ، فاستيقظت ، وشرعت أكتب أوّل الوقائع ، فوجدت تفاصيلها كلّها في خاطري - مع أني كنت كثير النّسيان - فداومت على الخلوة ، ومضى على ذلك مدّة ، والشيخ يرسل لي كلّ يوم قصعة طعام ، وخبزا ، وجرّة ماء ، فخطر ببالي أنّي ما تخلّصت من الحيوانية ، فرددت الطعام ليلة ، فلم أر شيئا ، فعرف الشيخ حالي ، وقال لي الخادم : لأيّ شيء تتعدّى طورك ، وطبيبك أعرف بحالك منك ؟ فلمّا كانت الليلة السابعة والثمانون من ليالي الخلوة اشتاقت نفسي إلى أرزّ مفلفل بسمن ، فدعاني الشّيخ ، وأحضر لي ذلك ، وقال : كل ما اشتهيت ، فأكلت ما في القصعة بتمامه ، وكان عادة الشّيخ أن يأمر مريده بالخدمة نهارا ، والإحياء ليلا ، ليفتح له شيء من الطريق ، ثم يأمر بالخلوة ، بخلاف الفقير ، فإنّه أدخلني الخلوة ابتداء .
وكان الغالب على صاحب التّرجمة الاستغراق ، حتى إذا حضر ولده ، يقول : من هذا ؟
وله تصانيف في أطوار السلوك .
مات سنة سبع وثمانين وثمان مائة بقيصرية « 3 » ، ودفن بها رضي اللّه تعالى عنه .
هامش
- أعظم مدن الإسلام بالروم . معجم البلدان : 4 / 415 .
( 1 ) انظر ترجمته صفحة 561 من هذا المجلد .
( 2 ) في الأصل : يا عجبا ، ليس ثمّ من يسأله عن الأمراض الرّوحانية . والمثبت من الشقائق النعمانية .
( 3 ) قيصرية : مدينة في تركية ، وتقع إلى الغرب من أنقرة .