ثمّ جئته ثانيا فأغلق الباب ، ثمّ ثالثا ، فقال بعض جماعته : الشّيخ قال : فلان طلب أن يجعلني فقيها ، وأنا صوفيّ ، ففهمت من كلامه أنّه اعتقد أنّي دعوته لأمر فيه نقص له ، وصاروا يهزءون بي ، ويقولون : فلان طلب يعلّمنا فقها مثل ما هو فقيه . فانقطعت عنه .
وكان صاحب التّرجمة يقول : إنّما يريد الشّعراويّ بالمجيء إليّ أنّه يسلبني ، يظنّ أنّه يقدر على ذلك ، هيهات .
ثمّ لمّا مات العارف الشّعراويّ انفرد صاحب التّرجمة ، وتزايدت وجاهته ، وأقبل عليه الخاصّ والعامّ ، وقصد للشّفاعة عند الحكّام ، وكثر معتقدوه جدّا .
حتى قال لي الشّيخ الصّالح المسلّك ، المربّي ، شمس الدّين محمد تركي « 1 » أحد الآخذين عنه : إنّ الشّيخ صحبه رجل ، فأنفق عليه نحو أربعة آلاف دينار ، وصار فقيرا جدّا ، فما تزلزل اعتقاده فيه .
وتوجّه في بعض الأثانين « 2 » لشهود جنازة بالمشهد الحسيني ، فزاره فأعجبه ، فرأى تلك اللّيلة رؤيا تتضمّن الإذن بزيارته صبيحة ذلك اليوم ، فتوجّه إليه ، وعمل به مجلسا على عادة الخلوتيّة ، واتّخذ ذلك عادة في كلّ جمعة يوم الثّلاثاء ، فيجتمع هناك خلق كثير من الرّجال والنّساء .
وكان يعالج الكيمياء « 3 » وقال لي بعض جماعته : إنّه وصل ، وأنكر ذلك الشّيخ محمد تركي ، وقال : كنت أزاول ذلك له بيدي ، ولم يظفر منها بطائل .
وكان إذا غضب على أحد من جماعته لإخلاله ببعض الآداب ، أو غير ذلك لا يكاد يرضى ، حتّى إنّه غضب على الشّيخ عبد الوهاب بن شبوت فأخرجه وأبعده . فجاء إلى شيخنا شيخ الإسلام الرّمليّ فتكرّرت شفاعته عنده فيه ، وكتب له بخطّه عدّة صحائف ليسأله في الرّضا عنه ، فلم يجبه مع ما بينهما من المحبّة . غايته أنّه أعاد إليه التّاج الذي هو شعار الخلوتيّة ، واستمرّ على إبعاده .
هامش
( 1 ) انظر ترجمته 509 من هذا المجلد .
( 2 ) في ( أ ) : الأحايين .
( 3 ) انظر 2 / 75 الحاشية ( 1 ) .