والفرعي « 1 » بلا مطالعة ، وإذا درّس يخرج من فمه نور ، وإذا حسر عن ساعديه يظهر عليها النّور ، وكان مع ذلك كلّه لا يرى نفسه أهلا للإقراء ، ويقول للطلبة :
إنّما نحن إخوان نتذاكر . ومع ذلك قد استوى عنده الأمير والوزير ، والفقير ، والذّمّ والمدح ، بل الذّمّ والفقر كانا أحبّ إليه .
وكان كثير الورع جدا قولا وفعلا وشربا وأكلا ولبسا ، فكان لا يكتسي إلّا من غزل أخته دون زوجته ، لشدّة وثوقه بورع أخته ، ويقتصر على ثوب خام غليظ ، وعمامة دون عشرة أذرع ، ويرخي لها عذبة . ويقعد في بيته على برش « 2 » أو فروة ، ويتغطّى بعباءة لا تساوي أربعة دراهم .
وبالجملة كان يرى الدّنيا كالميتة لا يتناول منها إلّا بقدر الضّرورة .
وعرضت عليه المدارس ، فامتنع .
وخرج من الدّنيا ولم يضع حجرا على حجر ، ولم يصنّف ورقة ، ولا كتب على فتوى .
وكان لا يقوم لأحد من العلماء ، إلّا إن عرف حاله في العمل بعلمه .
وكان يخفّف صلاة الفرض ، ويقول : هي صلاة الأبدال ، ومثلنا لا يقدر على طول الوقوف بين يديه تعالى بغير خروج قلبه إلى أمور الدنيا .
وكان يحثّ على الصدقة بالخبز ، ويقول : لا يستغني عنه أحد .
وكان حمولا للأذى ، ويحمل النّاس على أحسن المحامل . أشاعوا عنه أنّه يعمل الكيمياء ، فقال : مرادهم التّقوى ؛ فإنّها كيمياء الفقراء . فقيل له : قالوا :
إنّ زوج أختك يبيعها لك . قال : مرادهم أنّه يتعلّم منّي التقوى .
هامش
- والأدلة السمعية والاجتهاد ، والترجيح . انتهى . وهو مختصر غريب في صنعه ، بديع في فنه لغاية إيجازه يضاهي الألغاز ، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز . . وقد شرحه الكثير . كشف الظنون 2 / 1853 .
( 1 ) الفرعي هو : « جامع الأمهات » مختصر في فروع المالكية استخرجه من ستين كتابا في فقه المالكية . وله شروح عدّة . انظر إيضاح المكنون 1 / 351 . والأعلام 4 / 211 .
( 2 ) البرش : حصير صغير من سعف النخيل يجلس عليه . المعجم الوسيط ( برش ) .