وذكر النّجم الأصفهاني : أنّه خرج في طلب القطب ، فخرج عليه القطّاع ، فأمسكوه وأرادوا قتله ، وبيّتوه مكتوفا ، فانقضّ عليه رجل من الجوّ كانقضاض الباز ، وقال : قم ، أنا مطلوبك . وحلّ كتافه ، فإذا هو المرسيّ ، وقال له : كم بين بلدة كذا وكذا من نهر ؟ قال : أربعة . قال : والنّهر الذي غرقت فيه ، وقد كان عند قدومه على الشّيخ خاض ذلك ، وكاد أن يغرق .
وقال لرجل - قال لولده ، وقد رآه يلعب مع الصّبيان : اطلع لا أطلعك اللّه - : يا أبا الحسن ، حسّن خلقك مع النّاس ، بقي من عمرك عام .
فمات بعد تمامه .
وسافر إلى قوص « 1 » ومعه خمسة من أعيان جماعته ، فقيل له فيه ، قال :
أدفن هؤلاء . فدفنهم .
وقدم أشمون « 2 » على أبي عبد اللّه الحكيم ، فقال : ادن . فدنا . فوضع يده خلف ظهره ، وضمّه لصدره ، وقال : جئتك مودّعا ، إنّي إذا رجعت إسكندريّة أبيت فيها ليلة ، ثمّ أدخل قبري . فكان كذلك .
وخاف أهل « 3 » إسكندريّة هجوم العدوّ ، فتقلّدوا السّلاح . فقال الشّيخ :
ما دمت بين أظهركم لا يدخلها . فلم يدخلها إلّا بعد موته .
وتعسّر على امرأة الولادة ، وأشرفت على الموت ، فوضع على بطنها طاقية الشّيخ ، فوضعت حالا .
ولبسها إنسان به حكّة ، فذهبت لوقتها .
ولم يزل الشّيخ على حاله ، راقيا في درج كماله إلى أن حلّ الأجل ، وحان الرّحيل ، فصار من رحمة ربّه إلى خير مقيل سنة ستّ وثمانين وستّ مائة بإسكندريّة .
هامش
( 1 ) قوص : مدينة عظيمة واسعة ، قصبة صعيد مصر . معجم البلدان 4 / 413 .
( 2 ) أشمون : قصبة كورة من كور الصعيد الأدنى غربي النيل ، ذات بساتين ، ونخل كثير . معجم البلدان 1 / 200 .
( 3 ) في ( ب ) : وخافوا أهل .