الحقّ تعالى فيه ، فكان بعد ذلك يتكلّف النّوم ، ويقول :
رأيت سرور قلبي في منامي * فأحببت التّناعس « 1 » والمناما
وورد على أبي حفص النّيسابوري ، فوقف على حلقته ، وكان عليه قباء ، فعرفه بالفراسة ، فقال : الذي كنّا نطلبه تحت العباء وجدته اليوم تحت القباء .
وخطب ابنته ملك كرمان ، فاستمهله ، ثمّ طاف المساجد ، فرأى غلاما يحسن صلاته ، فقال له : ألك زوجة ؟ قال : لا ، قال : أزوّجك ، فخذ بدرهم خبزا ، وبدرهم أدما ، وبدرهم طيبا ، والأمر مفروغ منه ، وزوّجه إيّاها ، فلمّا دخلت بيته وجدت رغيفا يابسا على رأس جرّة ، فقالت : ما هذا ؟ قال : بقي من أمس ، فتركته لأفطر عليه ، فولّت راجعة ، فقال : عرفت أنّ بنت شاه لا تقنع بفقري ، فقالت : ليس خروجي لفقرك ؛ بل لضعف يقينك ، ولست أعجب منك ، بل من أبي حيث قال : زوّجتك لشابّ عفيف ، كيف وصف بالعفّة من لا يعتمد على اللّه إلّا بادّخار رغيف ؟ فقال : أنا معتذر ، فقالت : أمّا العذر فأنت أعرف بشأنك ، وأمّا أنا فلا أقيم ببيت فيه معلوم .
ومن كلامه :
من عرف ربّه طمع في عفوه ، ورجا فضله .
وقال : علامة الحياء ثلاث : وجدان الأنس بفقدان الوحشة ، والامتلاء « 2 » عن الخلوة بإدمان التّذكرة ، واستشعار الهيبة بخالص المراقبة .
وقال : من صحبك ووافقك على ما يحبّ ، وخالفك فيما يكره ، فإنّما يصحب هواه .
وقال : الفتوّة من طباع الأحرار ، واللّؤم من شيم الأنذال ، وما تعبّد متعبّد بأكثر من التحبّب للأولياء ؛ لأنّ محبتهم محبّة اللّه .
وكان حادّ الفراسة ، لا يخطئ أبدا ، وكان يقول : من غضّ بصره عن
هامش
( 1 ) في المطبوع : التنفس ، وفي مناقب الأبرار 119 / أ : التّنعّس .
( 2 ) في المطبوع : والاختلاء .