ومن بدائع كراماته : ما حكاه ابن الجوزيّ « 1 » ، والرّامهرمزيّ عن شقيق البلخيّ رضي اللّه عنه : أنّه خرج حاجّا ، فرآه بالقادسيّة منفردا عن النّاس ، فقال في نفسه : هذا فتى من الصّوفيّة يريد أن يكون كلّا على النّاس ، لأوبّخنّه ، فمضى إليه فقال : يا شقيق
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
[ الحجرات :
12 ] فأراد أن يعانقه فغاب عن عينه ، ثمّ رآه بعد ذلك على بئر قد سقطت ركوته فيها ، فدعا فطفّ الماء حتى أخذها ، فتوضّأ وصلّى ، ثم مال إلى كثيب من الرّمل فطرح منه فيها ، وشرب ، فقلت له : أطعمني ممّا رزقك اللّه ، فقال :
يا شقيق ، لم تزل أنعم اللّه علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنّك بربّك ، فناولنيها ، فشربت ، فإذا هو سويق وسكّر « 2 » ، فأقمت أيّاما لا أشتهي شرابا ولا طعاما ، ثم لم أره إلّا بمكّة وهو بغلمان وغاشية « 3 » ، وأموره على خلاف ما كان عليه في الطّريق .
ولمّا حجّ الرّشيد سعي به إليه ، وقيل له : إنّ الأموال تحمل إليه من كلّ جانب حتّى أنّه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار ، فقال له الرّشيد حين رآه جالسا عند الكعبة : أنت الذي يبايعك النّاس سرّا ؟ فقال له : أنا إمام القلوب ، وأنت إمام الجسوم .
ولمّا اجتمعا أمام الوجه الشّريف ، قال الرّشيد : السّلام عليك [ يا رسول اللّه ] يا ابن عمّ [ افتخارا على من حوله ] . فقال الكاظم : السّلام عليك يا أبتي « 4 » .
فلم يحتملها ، فحمله الرّشيد إلى بغداد مقيّدا وحبسه ، فلم يخرج من حبسه إلّا مقيّدا ميّتا مسموما .
* * *
هامش
( 1 ) صفة الصفوة 2 / 185 .
( 2 ) في المطبوع : سويق ولبن وسكر .
( 3 ) في صفة الصفوة 2 / 185 : فإذا له حاشية وأموال .
( 4 ) ما بين معقوفين مستدرك من تاريخ بغداد 13 / 31 ، وتتمة الخبر فيه : فتغيّر وجه هارون ، وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقا .