قلت : وكنت سافرت من دمشق إلى طرابلس الشام في أواخر سنة ثمان بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام . فلما رجعت إلى دمشق حضرت علماؤها للسلام عليّ فتأخر صاحب الترجمة لمرض كان له قد عرض فكتب اليّ هذين البيتين من نظمه ، الدال على صحيح فهمه :
أعدتم إلينا بهجة أدبيّة * بها افترّ ثغر الفضل والعود أحمد
وأحييتم وادي دمشق بعودة * أضاء بها فيه مصلّى ومسجد
وكتب اليّ أيضا هذه القصيدة الغرّاء وهي من أبكار أشعاره :
أيا سافر الوجه الذي يخجل البدرا * ويا ناعس الطّرف الذي أودع السحرا
ويا من له قدّ إذا ماس وانثنى * رأيت قلوب العاشقين له أسرى
ويا من له خطّ على الخدّ كلّما * بدى لي أقول الليل في البدر قد أسرى
متى يشتفي من طول هجرك مغرم * مدامعه تترى وأنفاسه حرّى
إذا قال هذي ليلة الهجر قد مضت * أتته ليال من جفاك له أخرى
لقد كان ذا صبري يعين على الجفا * ومن طول هذا الهجر قد فقد الصّبرا
فديتك يا ربّ الملاحة والبها * أما آن يا مولاي أن تترك الهجرا
يرجّيك صب أنحل البين جسمه * تعطّف عليه ساعة واغنم الأجرا
يحيّيك ما غنّى على الدوح ساجع * وما دام عبد الحقّ يعلو الورى قدرا