تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
بل دخل إليها قبيل مغيب الشمس وخرج بعد طلوع النهار . وقيل إنه جاء ليتحصّن بالقلعة الشهبا . فما أشار عليه بذلك من هو صديقه من الأحباء . فوضع أهله وعياله ، وذخائره وأمواله ، في داخل هاتيك القلعة الحصينة . وظنّ أنها تحفظ له تلك الجواهر الثمينة . وخرج منها خائفا يترقّب ، وهو من عساكر الحقّ يتبعّد ومن البغاة يتقرب . إلى أن أداه الحرب إلى مدينة ملطية . التي كان قد شراها أمير المؤمنين عمر ابن عبد العزيز حصنا للأمة المحمديّة . فلعلّها أن تكون شركا لأهل البغي والإشراك . وأن تصيدهم كما تقتنص الطيور الأشراك ، فيؤخذ منها أخذ القرى وهي ظالمة ، وتعود نفسه اللوامة عليه وهي نادمة . وأما الوزير المنصور ، الذي أمدّه اللّه تعالى بعسكره المجرور ، الذي انتصب على الفتح وليس بمكسور ، فإنه تتبّع من بقي من أعوانه ، واستخبر عن محبّيه وخلانه فأبادهم قتلا بالسيف المنتضى ، وصار وجودهم كالفعل سلف ومضى . وجاء إلى حلب بالجنود الغالبة ، والأسود القاهرة السالبة فرأى القلعة الشهباء في أيدي بعض أعوان البغاة . فرام محاصرتها ومحاضرتها بالتدبير الذي قصده وبغاه ، فتحقق من فيها أنّ كلّ محصور مأخوذ كما قيل . وكانوا يقولون : دخلنا عليكم بحق الخليل . لأن القلعة كانت سكنا له كما نقل في بعض الأقاويل . فأنزلهم الوزير بأمانه ، ولم يغدرهم لقوة إيمانه . فنزلوا من القلعة ، واتصفوا بالضعة بعد الرفعة . وكانوا نحو ألف رجل . وكان معهم نساء بني جانبلاذ . وكان أكابر الجماعة المذكورين أربعة من رؤوس السكبانية قطع اللّه رؤوسهم وأباد أرواحهم الخبيثة ونفوسهم . فلما نزلوا بادروا إلى تقبيل يد الوزير وذيله . ووقفوا ممتثلين ما يظهر لهم من ميله . فأشار إلى النساء بالسكنى في مكان معلوم . وفرّق الرجال على أرباب المناصب كلّ منهم في مكان مفهوم . وطلع بنفسه النفيسة إلى القلعة الشاهقة . فرأى الفلك الأثير قد أعادها في العلو عاتقة . قلعة استعارت من طبقات الأفلاك طبقة . وحلّق نحوها النسر الطائر فرماه حارسها بسهم من كنانته ورشقه . فانحدر عنها إلى