ومن ذلك أنه لما صار إماما بالجامع الامويّ ، وذلك من الدلائل على اقتراب الساعة . فكان إذا أقام المؤذّنون الصلاة للمغرب في صحن الجامع يتباطأ بالخروج من الحرم بعد إقامة الصلاة لترمقه الناس بأبصارهم ، ويعلموا أنه الإمام ، فيمشي متبخترا إلى المحراب .
ومن ذلك ما شاهده الفقير منه في تربة الدحداح ، وقد خرج المذكور في جنازة . فلما دفن الميت ووقف الناس للتعزية تنحّى جانبا عن الناس ، وهو في عظمته الفشرويّة ولا يلتفت يمينا ولا شمالا . « فلمّا تمّت التعزية وانصرفت الناس رآه وليّ الميت واقفا ، فمشى إليه ليصافحه على العادة ، فمدّ المذكور ظهر كفه حتى وضعه على فم الرجل [ وهو يقول له : « عظّم اللّه أجرك وأحسن عزاك » ] : « 1 » فلم يسع الرجل إلّا أنه « 2 » أجابه إلى مراده ، وقبّل ظهر كفّه وانصرف .
وله مثل هذه الأشياء أمور لا تكاد تعدّ لكثرتها . فهو الأحقّ بقول القائل :
قال الأنام وقد رأوه * على الحداثة قد تصدّر
من ذا المجاوز حدّه * قلت : المقدّم بالمؤخّر
وقد آن وقت الشروع بالمقصود في حلّ القصيدة المذكورة ، بحسب الطاقة إلا أنّي لا أذكر كيفيّة تركيب ألفاظها اللغويّة مع تنافرها وعدم ارتباط كل كلمة بأختها إلا بما يشبه الاستعارة أو المجاز أو نسبة المحمولات إلى موضوعاتها واللّه المستعان .
هامش
( 1 ) الزيادة من الشرح .
( 2 ) من ها ، إلى قوله « الطف مما قبله . . » في ص 192 ساقط من الأصول وقد أضفناه من الشرح .