فلما دخل إلى العساكر السلطانية نزل جانبا عن الطريق لأنه صدفها سائرة مجدّة ، وراء « 1 » اليازجي لما بلغهم أنه سار ليقطع الماء . فكان كلّما مرّ به أحد يقول من هذا ؟ فيقول : أنا من العسكر نزلت لأريق الماء . فلم يزل على ذلك إلى أن صدف عسكر الشام وعرفهم ، مع أنه صدفهم ليلا بسبب أنه سمعهم يتكلّمون بالعربية ، وما في العسكر من يتكلّم بالعربيّة سواهم . فعند ذلك دخل بينهم وقال لهم : تعالوا إليّ يا شباب ! فأنا عثمان باشا . فعند ذلك أسرعوا إليه وأحاطوا به وأخبروا أكابرهم به فجاءوا إليه وعرفوه حق المعرفة ، وقال لهم : إلى أين تذهبون ؟ فقالوا : نريد اليازجي . فقال لهم : إنه قطع الماء وسار .
فرجعوا معه إلى أن أدركوا محطة السردار ، واجتمع به عثمان باشا فلم يجد منه إقبالا ، وكلمه بما آلم فؤاده وقطع أكباده ، وقال له : أين صاحبك اليازجي ؟
وما ذا فعل ؟ فقال له : ها هو هارب من جبل إلى جبل ( 132 ب ) ومن واد إلى واد . فقال له السردار : وحياة رأس السلطان لو دخل إلى أضيق مكان لدخلت وراءه .
وطلع من عنده وهو يبكي لما أسمعه من الكلام المبكي . وسار من وقته ولم يجتمع بعدها بالسردار بل استخفى ولبس رداء الليل . وسار إلى مراده ينحدر كالسيل ، وأنشد :
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها * خرجت مع البازي عليّ سواد
وما ذاك إلّا أنّ السردار المذكور أعطي منصبه عند اعتقاله ، وظن أنه لا يخلص من اليازجي إلا بموته وانتقاله . فلما رأى أنّ منصبه قد صار للسوى ، نوى على السير إلى باب السلطنة وما ثوى وسيدرك ما طلب ، ولكلّ عبد ما نوى .
هامش
( 1 ) م ، ب « ورأى » .