فأمر الباشا أرباب الحل والعقد ، والقول والرد أن يجتمعوا في الديوان بدمشق ، فاجتمعوا بأسرهم وكان قاضي القضاة أيضا بالمجلس وأخرجوا من كان في حبس محمود الخبيث على صورتهم بالقيود والأغلال في أعناقهم ، ما عدا العالمين المذكورين فإنهما كانا قد طلعا من سجنه قبيل ورود الحكم بأيام قلائل . وكان ذلك اليوم يوما مشهودا . ولمّا أحضر البوّاب محمود إلى الديوان أمر الباشا بنزع كسوته السلطانيّة عنه ، وألبس على رأسه لاميّة سوداء من الشعر وأوقف في حاشية الديوان ذليلا حقيرا وادعى عليه بعض المحبوسين من القضاة وأرباب المناصب ، وقامت عليه البينة بتحقير العلماء وازدرائهم ، وحكم عليه علي أفندي بالقتل لثبوت الردّة عليه ، وخاطبه بذلك قائلا : حكمت بإراقة دمه هدرا . وكتب بذلك تمسّك شرعيّ .
وكان الشيخ شرف الدين الأعرج بن يونس الحكيم من أكبر المتعصّبين على البوّاب في اثبات أسباب قتله .
وكان الاثبات المذكور في بعض أيام التشريق ، وكانت الأرجوحة مركّبة على باب دار الإمارة بدمشق على قاعدة الأروام في تركيبها أيام التشريق . فأنزلوا البواب محمودا . فلمّا تحقق أنّه مقتول لا محالة طلب المهملة إلى أن يغتسل كأنه كان جنبا فأمهلوه لذلك ، فاغتسل في مسجد عيسى باشا الذي في باب دار الإمارة ، وصلّى ركعتين ، وصلبوه في خشب الأرجوحة . وكثر سرور الناس لقتله لأنه كان مبالغا في الفجور والعناد والفساد .
ولما عزل حسن باشا عن الشام في المرة الثالثة سافر إلى الباب العالي ، وتقلّبت به الأهوال ، وتنقّلت به الأحوال ، إلى أن صار حاكما في بلاد الروم . واستمر هناك سنين عديدة ، ومديدة . ونسبوا إليه هناك
تراجم الأعيان من أبناء الزمان — صفحة 144
مساهمون: بدر الدين الحسن بن محمد البوريني
ص١٤٤