الشيخ « 1 » عبد النبيّ ابن جماعة الكناني المقدسي ، وقد ورد إلى دمشق فرأيتهما جالسين بعد صلاة الجمعة في الإيوان الشماليّ بالجامع الأمويّ عند الشبّاك المطلّ على الكلّاسة . وشرع الشيخ « 1 » عبد النبيّ يتكلم مع الشيخ أبي الفتح صاحب الترجمة كلاما علميّا فيما أظن . فإني كنت صغير السنّ ، وكنت بعيدا عنهما في الجملة . فما أتمّ الشيخ عبد النبيّ كلامه الذي كان يتكلم فيه حتى أقام الشيخ أبو الفتح رأسه وتنحنح ، وقال :
سبحان اللّه ،
كأنّك من جمال بني أقيش * يقعقع بين رجليه بشنّ
وقال أيضا : جعجة ولا طحن . وربّ صلف تحت الراعدة .
سبحان اللّه ! يدلّك على جناء الشجرة الواحدة من ثمرتها . وعلى خزامى « 2 » الأرض النفحة من رائحتها .
وجالا فيما كانا فيه من الأبحاث ، مستعجلين من غير ارتياث « 3 » .
وظهرت زيادة الشيخ أبي الفتح على الشيخ عبد النبي ظهورا كاملا ، وألبسه اللّه تعالى من الفضل لباسا شاملا .
وكان من أعاجيب الزمان ، ومن مفردات الدوران . كان ماهرا في المعقولات بأسرها ، وفاضلا في المنقولات عن آخرها . ( 68 ب ) كان إذا تكلّم في العلوم يصير كالسيل إذا طمى ، وكالغيث إذا همى .
وكانت له الفصاحة التي تندى ظلالها ، ويسكر جريالها ، ويروق سلسالها . وكان له النظم الذي يفوح نشره ، ويلوح بشره . لأنّه كما قيل : شرب من ماء الغوطتين ، وهبّ عليه نسيم الواديين . فمن ذلك أنّه كان جالسا بين إخوانه ، وعنده طائفة من خلّانه ، وإذا برجل
هامش
( 1 ) ساقط من ه
( 2 ) ه ، ب « خزائن »
( 3 ) ه ، ب « ارتباط »