تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ذلك ممّا تبكى له العيون ، وتحترق لأجله القلوب ، وتحيّر في تدبير رفعه العقول ، وإذا انتدب لإزالته أحد من الناس الذين يخافون اللّه / تعالى ، لا يجد له مساعدا ، ولا معينا ولا معاضدا ، بل ينتدب له كثير من أرباب الدولة الذين لا يريدون الإصلاح ، ولا يريدون بطلان الرّشا ولا فيه النّجاح ، لتكذيبه وتسفيهه ، وتحميقه والرّدّ عليه ، ولم أر في تلك الديار من هو سالم من سائر أنواع النّفاق ، ومن مداراة أصحاب الظلم والشّقاق ، إلّا صاحب الترجمة ، فللّه درّه ، ما أشدّه وأصلبه في دين اللّه تعالى ، وما أكثر تعظيمه لشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولقد بالغوا في عرض الولايات عليه ، ووعدوه بأن لا يعارضوه في أمر من الأمور ، وأن يقبلوا نصائحه وشفاعاته ، وهو مع ذلك مصمّم على الامتناع ؛ لعلمه بأنّ أكثرهم ممّن يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فلما قدّر اللّه تعالى بوفاة شيخ الإسلام ، وقدوة الأنام ، سعد الدين أفندي ، مفتى الديار الروميّة ، في عاشر شهر ربيع الأول ، سنة ثمان بعد الألف ، امتدّت أعناق جماعة من موالى الديار الروميّة لطلب منصب الفتوى مكانه ، وبالغوا في الطلب والسّعى ، وبذل الدنيا لمن يعينهم ، ويشفع لهم ويساعدهم ، وصاروا يبالغوا في وصف أنفسهم بالعلم والعمل ، والفضل والكرم ، والعدل والإنصاف ، وغير ذلك من المحاسن التي ليس فيهم منها قليل ولا كثير ، ولا جليل ولا حقير :
ولسان حال الحقّ ينشد مالها * إلّا إمام العصر صنع اللّه من لم يخف في اللّه لومة لائم * وصنيعه للّه لا للجاه
فقبل فراغهم من دفنه ، بل ومن الصلاة عليه ؛ جاء خطّ السلطان إلى الوزير الكبير ، بتفويض منصب الفتوى إليه ، من غير تعب ولا نصب ، ولا بذل فضة ولا ذهب ، ولا عهد ولا وعد ، بل سمعنا أنّه تردّد في القبول وعدمه ، ولولا أنّه رأى القبول عليه متعيّنا ، وأنّ ترك المتعيّن ، ليس عند اللّه بهيّن ، ما كان يقبله ولا يقبل عليه ، فلما حصل القبول حصل عند الناس من الفرح والسّرور ما لا مزيد عليه ، واستبشروا بإقبال الخيرات ، وإدبار المنكرات ، وقيام ناموس الشريعة ، وخمود نار الرّشوة الفظيعة ، وغير ذلك ممّا فيه صلاح الأئمّة ، وكشف الغمّة عن الأمّة ، وما مضى بعد ولايته إلّا زمن يسير ، حتى عزل بعض قضاة الجور والرّشا ، وولى مكانه بعض القضاة الذين يرجى خيرهم ، ويؤمن ضررهم وضيرهم ، وعدّ ذلك من بركات صاحب الترجمة ، وزاد سرورهم به ودعاؤهم له ، وثناؤهم عليه ، وصار أكثر الخواصّ من الناس يرجون من