تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
ولا في مناظرة ، وإذا ظهر له الحقّ سلّم له وانقاد إليه ، من غير تعصّب ولا عناد ، كما جرت به عادة السّلف ، وعادة المنصفين من الخلف . ثمّ بعد مدّة فوّضوا إليه قضاء بروسة ، ثم قضاء أدرنة ، ثم قضاء إصطنبول بولاية أناطولى ، ثم قضاء العسكر بولاية روميلى ، ولم يتخلّل هذه الولايات عزل ولا ما يوجب العزل ؛ لأنّ سيرته كانت في الجميع حميدة ، وأفعاله سديدة ، لا يعطى المناصب إلّا لأهلها ، ولا يضع الأمور إلّا في محلّها ، يقرّب أصحاب الفضل والكمال ، ويبعد أصحاب الجهل والضّلال ، ويعظّم العلماء ويرفع مقامهم ، ويقبل عليهم ، وينظر بعين العناية إليهم . وأمّا الرّشوة فما كانت في أيّامه تذكر إلّا لتنكر ، ولا يسأل عنها إلّا ليهان من يأخذ منها ، وقد وقع الإجماع ، في سائر البقاع ، على أنّ اللّه تعالى قد طهّر منها يده ولسانه ، وأتباعه وأعوانه ، ولا شكّ ولا ريب أنّ العفّة عن الرّشوة في مثل هذه الأيام ، نعمة كبرى ، وسعادة عظمى ، قلّ من يوفّق لها ، ويوصف بها ، وأنّ أخذها من كبائر الذنوب ، وقبائح العيوب ، التي توقع في المهالك ، وتخرب الممالك ، فالحمد للّه الذي خصّه بأحسن الأوصاف ، وأنعم عليه بجزيل الألطاف . ولم يزل سالكا في هذه الطريق ، مصحوبا من اللّه تعالى بالتوفيق ، إلى أن فرغت المدّة ، وانقضت العدّة ، وأصاب السلطان عين الكمال ، وجاءه مستوفى الآجال ، وانتقل بالوفاة إلى رحمة اللّه تعالى ، وجلس على سرير الملك مكانه ، وولى خلافته وسلطانه ، ولده الأكبر ، وغصنه الأنضر ، السلطان محمد خان ، أدام اللّه تعالى دولته إلى آخر الزمان ، / ونصره وأيّده على أهل الكفر والطّغيان ، فأشار عليه بعض ثقاته أن يعزل سائر القضاة والأمراء ، وأمراء ، الأمراء ، والحكّام والعمّال ، وغيرهم من سائر المناصب ، فعمل برأيه ، وما أبقى منهم إلّا القليل ، وكان صاحب الترجمة ممّن شمله هذا العموم ، وتأسّف الناس على أيّامه ، وعلى ما فقدوه من عدله في أحكامه ، وصاروا يبتهلون إلى اللّه تعالى ، ويسألونه أن يعيد عليهم ولايته . واستمرّ مقيما في منزله ، مكبّا على المطالعة والمراجعة ، والتّقرير والتّحرير ، والتّسويد والتّبييض ، والتأليف والتّصنيف ، لا يخرج من المنزل إلّا إلى جمعة أو جماعة ، أو عيادة مريض ، أو زيارة أخ في اللّه تعالى ، وكثيرا ما كانوا يسألونه في قبول ما يختاره من المناصب الشريفة فلا يقبل ، ويرمون عليه فلا يرضى ، ويدفعهم بالتي هي أحسن ، وكان مع ذلك لا ينسى نصيبه من الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، بحسب الإمكان .