933 - صنع اللّه أفندي « * »
ابن قاضى القضاة جعفر أفندي ، أحد قضاة العسكر المشهورين في الدّيار الرّوميّة ، بل في جميع الديار الإسلامية ، بالدين والصلاح والتّقوى والمروءة والعلم والعمل ومكارم الأخلاق .
نشأ من صغره في مهد الأمانة ، وحجر الصّيانة ، وملازمة القراءة أوّلا في القرآن الكريم ، ثم في الكتب المعتبرة والمتون المحرّرة ، والشّروح المشهورة بالتحقيق ، والحواشى المعروفة بالتّدقيق ، وكان لا يملّ من المطالعة والمراجعة ، والاشتغال والإشغال .
وكانت أيّامه كلها في إقبال ، وبلوغ آمال ، تخدمه السّعود ، / وتعينه الجدود ، إلى أن بلغ مبالغ الرجال ، وفاق الأقران والأمثال ، حتى كان الإمام العلّامة ، والقدوة الفهّامة ، صاحب « التفسير » الذي سارت بذكره الرّكبان ، وأذعن له كلّ قاص ودان ، مفتى الديار الروميّة ، والممالك الإسلامية ، أبو السّعود العمادىّ ، رحمه اللّه تعالى ، يراعيه ويكرمه ، ويعتنى به ويقدّمه ، ويرجّحه على سائر أقرانه ، وأصحابه وإخوانه ، ويرى مخايل النّجابة ظاهرة عليه ، وعيون التّوفيق ناظرة إليه ، وكان كثيرا ما يحكّمه في التّرجيح بين الأفاضل ، والمحقّقين الأماثل ، ويرضى بحكمه ، ويثنى على دقّة فهمه ، وقد حقّق اللّه تعالى رجاءه فيه ، وجعله قائما مقامه وناصرا له على من يعاديه .
ثم بعد أن حصّل من الفضائل ما حصّل ، وأنعم اللّه تعالى عليه بما أمّل ، وصار مدرّسا في مدارس متعدّدة ، أجلّها قدرا ، وأشهرها ذكرا ، مدرسة الوالدة بمدينة اسكىدار ، حميت عن البوار ، وهي والدة السلطان مراد خان ، تغمّدهما اللّه بالرّحمة والرّضوان ، حتى إنها كانت أجلّ من السّليميّة والسّليمانيّة وغيرهما من المدارس المنسوبة إلى آل عثمان ، أدام اللّه تعالى دولتهم إلى آخر الزمان ، وكان صاحب الترجمة أجلّ من وليها من المدرّسين ، وكان يلقى بها الدّروس للخاصّة والعامّة ، من غير مانع ولا مدافع ، بخلاف أكثر المدرّسين بالديار الرومية ، فإنّ من عادتهم أن لا يمكّنوا أحدا من حضور دروسهم ، سوى تلاميذهم المخصوصين بهم ، ولم يزل بهذه المدرسة يفيد الطّلّاب ، ويباحث أولى الألباب ، ولا يبخل على أحد بفوائده ، والتقاط فرائده ، ولا يتكبّر على أحد في مباحثة
هامش
( * ) ترجمته في : خلاصة الأثر 2 / 256 - 259 . وكانت وفاته في حدود سنة إحدى وعشرين وألف .