كالبدر السّافر في الظلام ، أو الشمس إذا هي برزت من خلف الغمام .
كتب وقرا ، وأضاف أهل العلم وقرى ، وعمّر المدرسة المعروفة به بالقاهرة ، وجعل نجوم محاسنها في الإبداع زاهرة .
وكان يتأدّى القرآن العظيم على المشايخ ، ويحبّ أن يكون في التجويد ذا قدم راسخ ، إلّا أن أخلاقه كان فيها شراسة ، ونفسه فيها على احتمال الأذى نفاسه ، فأقدم على عزل القضاة ، واتّبع السلطان في ذلك رضاه ؛ لأنّه كان قد انفرد بالتّدبير ، وثقلت وطأته على الدّولة حتى خفّ عندها ثبير ، وسالمته الأيّام ، وتيقّظ سعده والناس عنه نيام ، فكان مع جماله وبطشه ، / يغلو عند من يعتبره بأرشه :
كالبدر حسنا وقد يعاوده * عبوس ليث العرين في عنده « 1 »
كأنّما مبرم القضاء به * من رسله والحمام من رصده
ولم يزل عالي الكعب ، مالي القلوب بالرّعب ، حتى أخذ أخذة رابية . ولم تكن أنياب النّوب عنه نائية ، فأمسكه الناصر حسن في العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبعمائة ، وكان ذلك آخر العهد به . رحمه اللّه تعالى .
وكان قد عمّر تلك المدرسة المشهورة به ، وبالغ في عمارتها وزخرفتها .
وكان يتعصّب لمذهبه ، ويؤثر الفضلاء ويقرّبهم ، ويسأل مسائل في اللغة والفقه ، ويعظم العجم ويؤثرهم .
وكان قد انفرد بالحديث في أمر الأوقاف ، واهتمّ بها ، وعمّرت في أيّامه .
قال الصّلاح الصّفدىّ : ووجدت بخطّه في حائط المدرسة السّلطانية بحلب مكتوبا :
أبدا تستردّ ما تهب الدّن * يا فيا ليت جودها كان بخلا
وكتبه صرغتمش النّاصرىّ . فلما قرأت ذلك عجبت من هذا الاتّفاق ، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له ، واستردّت ما وهبته الدنيا ، وأخذ السّلطان من أمواله وحواصله شيئا يعجز الوصف عنه .
قال الصّفدىّ : وقد كتبت قصيدة أمدحه بها ، ولكن ما جهّزتها إليه ، وهي :
يا همّ لا تدخل إلى خاطري * فإنّ لي صرغتمش النّاصرى
قد زيّن اللّه الليالي به * لأنّه كالقمر الزّاهر
هامش
( 1 ) عند ؛ ككرم : مال .