تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
يكثر الجلوس في بيته ، فقيل له : ألا تستوحش ؟ فقال : كيف أستوحش وأنا مع النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . يعنى النّظر في الحديث . وعن أبي نعيم ، أنّه قال : كان ابن المبارك يتّجر ، ويقدم كلّ سنة مكة ، فيبعث بالصّرر إلى أربابها ، كفضيل بن عياض ، وابن عيينة ، وابن عليّة وغيرهم ، فقدم سنة مكة ، فوجد ابن عليّة قد ولى الصّدقات لهارون الرّشيد ، فبعث بالصّرر إلى أربابها ، ولم يبعث إلى ابن عليّة شيئا ، وكان يعطيه في كلّ سنة خمسمائة درهم ، فركب ابن عليّة إليه ، فسلّم عليه ، فلم يرفع له رأسا ، ولم يكلّمه ، فكتب إليه : أسعدك اللّه بطاعته ، وتولّاك بحفظه ، وحاطك بحياطته ، قد كنت منتظر البرّ والصّلة منك ، لأتبرّك بها ، وجئتك مسلّما ، فلم تكلّمنى ، فأىّ شئ بدا منّى ، فعرّفنى حتى أعتذر منه . فلما قرأها ابن المبارك ، قال : يأبى هذا الرجل إلّا أن أقشر له العصا . وكتب إليه ، رحمه اللّه تعالى « 1 » :
يا جاعل العلم له بازيا * يصيد أموال المساكين « 2 » احتلت للدّنيا ولذّاتها * بحيلة تذهب بالدّين فصرت مجنونا بها بعد ما * كنت دواء للمجانين أين رواياتك في سردها * عن ابن عون وابن سيرين أين أحاديثك والقول في * لزوم أبواب السّلاطين « 3 » إن قلت أكرهت فما كان ذا * زلّ حمار العلم في الطّين « 4 »
فلما قرأ الأبيات بكى ، ودخل على هارون ، فاستعفاه فقال : لعلّك التقيت بالمروزىّ ؟ فقال له : ارحم شيبى . فأقاله ، فبعث إليه ابن المبارك برسمه . وعن الأصمعىّ ، قال : سمعت ابن المبارك يقول : إنّه ليعجبني من القرّاء كلّ طلق مضحاك ، فأمّا من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس ، كأنّه يمنّ عليك بعمله ، فلا أكثر اللّه في القرّاء مثله .
هامش
( 1 ) الشعر في : سير أعلام النبلاء 8 / 364 ، طبقات الشافعية الكبرى 1 / 285 ، الورقة 15 . ( 2 ) في السير والطبقات : « يصطاد » . ( 3 ) في السير والطبقات والورقة :أين رواياتك فيما مضى * في ترك أبواب السلاطين( 4 ) سقط قوله : « كان ذا » من النسخ ، وهو من الورقة ، ومكانه في السير والطبقات : « ذا كذا » .