ونهى ، وأملى كتبا تعجّب الحاضرون من حسنها ، ومن فرط بلاغتها ، وقال :
كلامنا من غرر * وعيشنا من غرر
إنّى وحقّ خالقي * على جناح السّفر
ثم لمّا كانت ليلة الجمعة ، الرابع والعشرين من صفر ، سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ، انتقل إلى جوار ربّه ، ومحلّ عفوه وكرامته ، ومضى من الدنيا بمضيّه رونق حسنها ، وتاريخ فضلها ، رضى اللّه تعالى عنه وأرضاه ، وجعل الجنّة مأواه ، بمنّه وكرمه .
وقد رثاه الشّعراء بقصائد كثيرة ، لا يمكن حصرها ، ولا يستوعب ذكرها ، فمنها ما قاله أبو سعيد الرّستمىّ ، من قصيدة « 1 » :
أبعد ابن عبّاد يهشّ إلى السّرى * أخو أمل أو يستماح جواد
أبى اللّه إلّا أن يموتا بموته * فما لهما حتى المعاد معاد
ولأبى العبّاس الضّبّىّ ، وقد مرّ بباب الصّاحب « 2 » :
أيّها الباب لم علاك اكتئاب * أين ذاك الحجاب والحجّاب
أين من كان يفزع الدّهر منه * فهو اليوم في التّراب تراب
ولبعض بنى المنجّم « 3 » ، لمّا استوزر أبو العباس ، ولقّب بالرّئيس ، وضمّ إليه أبو علي ولقّب بالجليل ، بعد موت الصّاحب ، تغمّده اللّه تعالى برحمته :
واللّه واللّه لا أفلحتم أبدا * بعد الوزير ابن عبّاد بن عبّاس
إن جاء منكم جليل فاجلبوا أجلى * أو جاء منكم رئيس فاقطعوا راسي
ولأبى الحسن العلوىّ الهمذانىّ ، في مرثيّة الصّاحب قوله « 3 » :
نوم العيون على الجفون حرام * ودموعهنّ مع الدّماء سجام
تبكى الأنام سليل عبّاد العلا * والدّين والقرآن والإسلام
تبكيه مكة والمشاعر كلّها * وحجيجها والنّسك والإحرام
تبكيه طيبة والرسول ومن بها * وعقيقها والسّهل والأعلام
كافى الكفاة قضى حميدا نحبه * ذاك الإمام السّيّد الضّرغام
مات المعالي والعلوم بموته * فعلى المعالي والعلوم سلام
وقد آن أن نحبس عنان القلم عن الجرى في هذا الميدان ، فإنّ في ذكر ما أوردناه
هامش
( 1 ) يتيمة الدهر 3 / 284 .
( 2 ) يتيمة الدهر 3 / 289 ، 290 .
( 3 ) يتيمة الدهر 3 / 290 .