واطمأن مصعب إلى أن حياته الجديدة صارت جديرة بأن يقدمها قربانا لخالقه
العظيم ، ولرسوله الكريم ، لتثبيت دعائم الإسلام ، وتركيز أسس شريعة السماء في
الأرض .
دخل يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما
أبصروا به حتى أحنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت عيونهم دمعا شجيا .
ذلك لأنهم رأوه . . . يرتدي جلبابا مرقعا بإهاب كبش باليا وعاودتهم
صورته الأولى قبل إسلامه ، حين كان يرفل بأزهى الثياب وأنظرها ألقا وعطرا .
ونظر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إليه بنظرات حكيمة ، ملئها الحب والحنان وتألقت
شفتيه ابتسامة مشرقة ، وقال :
[ لقد رأيت مصعبا هذا وما كان بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ، لقد ترك ذلك
كله حبا لله ورسوله ] ! !
حيث منعته أمه حينما يئست من رده إلى الشرك كل ما كانت تفيض عليه من
نعمة ، وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر آلهتها ، حتى لو كان ذلك الإنسان فلذة
كبدها .
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة ثانية بعد رجوعه من
الحبشة ، فآلى على نفسه لئن فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه .
وإنها لتعلم صدق عزمه إذا هم وعزم فتركته باكية وودعها باكيا ، وكشفت
لحظة الوداع عن إصرارها العجيب على الكفر ، قائلة له وهي تخرجه من بيتها :
إذهب لشأنك لم أعد لك اما ، يقابله إصرار الابن على الإيمان حينما اقترب منها وهو
يقول : يا أماه إني لك ناصح ، وعليك شفيق ، فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمدا
عبده ورسوله ، فأجابته غاضبة : " قسما بالثواقب ، لا أدخل في دينك ، فيزرى
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 5
مساهمون: حسين الشاكري
ص٥